مقالات وبحوث

أردوغان.. إدارة الصراع من داخل قواعده

بقلم: علي المسعودي

أكثر التحولات عمقًا هو ذلك الذي يتم ببطء وتمهّل، ومن داخل القواعد نفسها التي وضعها الخصم.

ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة تجربة الرئيس رجب طيب أردوغان في تركيا.

فالرجل الذي جاء من خلفية سياسية محافظة لم يدخل إلى الدولة التركية معلنًا الحرب على العلمانية، ولم يبدأ مشروعه بمحاولة اقتلاع النظام الذي ورثه. كانت تركيا التي وصل فيها حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002 تحمل إرثًا مؤسسيًا شديد الحساسية تجاه حضور الدين في المجال العام، وكانت المؤسسة العسكرية والقضاء والبيروقراطية قطاعات مؤثرة في حماية التصور الكمالي للعلمانية.

وكان التحدي الذي واجهه أردوغان معقدًا: كيف يمكن تغيير التوازن الثقافي والاجتماعي من دون أن يتحول المشروع نفسه إلى مادة تستخدم لإقصائه من اللعبة السياسية؟

هنا تظهر واحدة من السمات المهمة في تجربته الثرية والملهمة: إدارة التغيير بالتدرج، وتحويل المعركة من مواجهة حول الهوية إلى نقاش حول الحقوق.

وربما كانت قضية الحجاب من الأمثلة الاجتماعية الأكثر وضوحًا.

لسنوات طويلة كان الحجاب رمزاً لصراع حول طبيعة الجمهورية وحدود الدين والمجال العام.

وكانت قطاعات من المؤسسة العلمانية ترى أن ظهور الحجاب في الجامعات والمؤسسات الرسمية يتجاوز الحرية الشخصية إلى رمز سياسي قد يمس الطابع العلماني للدولة.

لكن أردوغان وحزب العدالة والتنمية عملا على نقل النقاش إلى أرضية مختلفة:

إذا كانت الجمهورية تؤمن بحرية المواطن، فلماذا تستطيع الدولة أن تقرر للمرأة ماذا ترتدي؟

وإذا كان التنوع جزءًا من المجتمع الديمقراطي، فلماذا تكون بعض أنماط الحياة مقبولة في المجال العام بينما تُستبعد أنماط أخرى؟

بهذا التحول أصبح الجدل أقل ارتباطًا بالسؤال القديم: «هل نريد دولة دينية أم علمانية؟»، وأكثر اتصالًا بسؤال آخر: هل تستطيع الدولة العلمانية أن تكون محايدة تجاه اختيارات مواطنيها؟

ولم يكن الطريق سهلًا. ففي عام 2008 أقر البرلمان تعديلات هدفت إلى إزالة القيود على الحجاب في الجامعات، لكن المحكمة الدستورية أبطلتها معتبرة أنها تتعارض مع مبدأ العلمانية. ثم تغير المشهد تدريجيًا خلال السنوات التالية، وصولًا إلى رفع القيود عن الحجاب في قطاعات واسعة من الخدمة العامة.
وهنا تكمن المفارقة السياسية اللافتة:

الأداة التي استُخدمت للدفاع عن الحجاب لم تكن إلغاء العلمانية، بل الاحتجاج بمبادئ الحرية والمساواة ذاتها.. فاللعب تم داخل الملعب لا خارجه، وهذه النقطة مهمة لفهم طريقة أردوغان في إدارة الصراع.

فبدل القول: هذه قواعدكم نرفضها، كان الجدل أكثر فاعلية، في مراحل عديدة حين يقال: سنقبل قواعد الدولة الديمقراطية، ونطالب بتطبيقها على الجميع.. وهذا فارق جوهري.

لأن المواجهة المباشرة كانت ستتيح لمؤسسات الدولة القديمة تصوير الصراع على أنه دفاع عن الجمهورية في مواجهة مشروع ديني. أما إعادة صياغة القضية باعتبارها قضية حرية فردية ومساواة في المواطنة، فقد جعلت الحدود بين «الدفاع عن العلمانية» و«فرض نمط حياة باسم العلمانية» أكثر قابلية للنقاش.

واللافت أن المحكمة الدستورية التركية نفسها انتقلت في مراحل لاحقة إلى قراءة أكثر اعتمادًا على الحقوق، وقد أشار رئيس سابق للمحكمة إلى أن اجتهادها منذ 2012 أصبح أكثر ليبرالية في تفسير العلمانية، وصدرت أحكام لمصلحة أفراد تعرضوا للتمييز بسبب ارتداء الحجاب.
وهكذا لم يعد السؤال: هل انتصر المتدين على العلماني؟
السؤال الأعمق أصبح: من يملك تعريف المجال العام؟
وهكذا تحول الأمر من الدفاع عن الهوية إلى إعادة تشكيل المجال العام، ولم يتوقف التحول عند الحجاب، فقد امتد إلى التعليم، والمدارس الدينية، والخطاب المتعلق بالأسرة والقيم الوطنية، وحضور الرموز والتقاليد الدينية في الحياة العامة.

وبذلك انتقلت قطاعات اجتماعية محافظة كانت تشعر تاريخيًا بأنها موجودة ديموغرافيًا ولكن حضورها محدود داخل بعض مؤسسات الدولة، إلى موقع أكثر ظهورًا وتأثيرًا.

وهنا يمكن الحديث عن «إدارة ثقافية» للصراع أكثر من الحديث عن انتصار عسكري أو قانوني سريع.. فالثقافة لا تتغير بمرسوم، إنها تتغير عندما يصبح ما كان ممنوعًا مألوفًا، وما كان هامشيًا حاضرًا، وما كان يُنظر إليه باعتباره خروجًا على النموذج يصبح واحدًا من عدة نماذج متنافسة داخل المجتمع.
وهذه ربما إحدى أهم أدوات حزب التنمية والغدالة بقيادة أردوغان السياسية: تحويل الاستثناء إلى اعتياد اجتماعي.
فالحجاب الذي كان وجوده في بعض المؤسسات معركة سياسية أصبح لاحقًا مشهدًا طبيعيًا في قطاعات واسعة من الحياة العامة.. خاصة أنه يواجه خصوماً أقوياء.. والقضية تحتاج إلى مناورة طويلة.. خاصة وأن قراءة التجربة باعتبارها طريقًا مستقيمًا يُعدّ من قبيل التبسيط الشديد لقضية معقدة.

فحزب العدالة والتنمية واجه -في سنواته الأولى خاصة- مؤسسات قوية وربما عنيفة في ردود فعلها، كما شهد عام 2007 مذكرة إلكترونية من قيادة الجيش وسط أزمة انتخاب رئيس الجمهورية، وفي 2008 واجه الحزب نفسه قضية أمام المحكمة الدستورية طالبت بإغلاقه على خلفية اتهامات تتعلق بأنشطة مناهضة للعلمانية.
ولذلك كانت المناورة جزءًا أساسيًا من التجربة.
يتقدم عندما تسمح موازين القوى، ويتجنب بعض المعارك عندما تكون كلفتها مرتفعة، وينقل الصراع من مساحة إلى أخرى، ويبحث عن التحالفات البرلمانية والقانونية والاجتماعية التي تتيح له توسيع المجال المتاح أمام مشروعه.

وهنا يمكن فهم التدرج لا باعتباره ترددًا، وإنما باعتباره طريقة ذكية في إدارة القوة.. فالسياسة هي أن تعرف ماذا تريد.. وأيضًا أن تعرف متى تطلبه، وبأي لغة، ومن أي باب.

ولكن ثمة وجه آخر للتجربة

فمنتقدو أردوغان يرون أن المسار الذي بدأ تحت عنوان توسيع الحريات لم يبق، في مراحل لاحقة، مجرد تحرير للمجال العام من القيود القديمة، بل صاحبه توسع في نفوذ السلطة التنفيذية وتراجع في بعض مؤشرات التعددية، وأن الدولة انتقلت – في رأي هؤلاء – من هيمنة ثقافية علمانية إلى تعزيز هوية محافظة بصورة قد تضغط بدورها على أنماط حياة أخرى.

وتظهر هذه المخاوف حتى اليوم في الجدل حول المناهج التعليمية؛ فقد دافع أردوغان عن إصلاحات تعليمية تركز على «القيم الوطنية»، بينما يقول معارضون ونقابات ومنظمات مدنية إنها تزيد الحضور الديني على حساب التصور العلماني للتعليم.
وهذا الاعتراض يضع الاختبار الحقيقي أمام أي مشروع يلتزم التعددية أمام السؤال المطروح: لقد استطاع تحرير ثقافته من هيمنة خصومه؟ فهل يستطيع، عندما يصبح هو الأقوى، أن يضمن لثقافة خصومه المساحة نفسها التي طالب بها لنفسه؟

لهذا ربما يكون الجانب الأكثر إثارة للدراسة في تجربة أردوغان ليس أنه خاض حربًا ضد العلمانية، وإنما أنه أدرك مبكرًا أن مهاجمة العلمانية من خارجها أقل فاعلية من إعادة مناقشة معناها من داخلها.. باعتبار فكرة (ذكاء نغيير السؤال)
فبدل المواجهة بين «الدين» و«العلمانية»، أصبح النقاش يدور حول الحرية.

وبدل القول إن الحجاب انتصار للدين، أمكن تقديم السماح به باعتباره حقًا للمرأة.

وبدل المطالبة بإقصاء النموذج الثقافي الآخر، أصبح السؤال المطروح: لماذا يحتكر نموذج واحد تعريف الحداثة؟

وهنا تكمن براعة سياسية تستحق الدراسة، بصرف النظر عن الاتفاق مع أردوغان أو الاختلاف معه.

لقد أدرك أن المعارك الفكرية الكبرى لا تُحسم دائمًا عندما تهزم فكرةً بفكرة، وإنما قد تُحسم عندما تنجح في تغيير السؤال الذي تدور حوله المعركة.

فإذا كان خصمك يقول: «أنا أدافع عن الحرية والتعددية»، فإن أقوى مواجهة فكرية ليست أن ترفض الحرية والتعددية، وإنما أن تسأله:
هل تتسع حريتك لمن يختلف عنك؟
وهل يعني تعدد الأفكار أن تكون جميع الخيارات متاحة بالفعل، أم أن التعدد مقبول فقط ما دام يتحرك داخل حدود نموذج ثقافي واحد؟

عند تلك النقطة لا تعود القضية حجابًا فقط، ولا علمانية فقط، ولا حتى أردوغان نفسه.

إنها تصبح سؤالًا أوسع عن الدولة الحديثة:

هل وظيفتها أن تختار للناس النموذج الثقافي الذي ينبغي أن يعيشوا داخله، أم أن تحرس المساحة التي تسمح للنماذج المختلفة بأن تعيش معًا؟

وربما كان هذا هو الميدان الذي خاض فيه أردوغان أهم معاركه الثقافية: لم يكتفِ بمحاولة تغيير الإجابات، بل عمل على تغيير الأسئلة نفسها.

إنها لعبة «تغيير قواعد السؤال من داخل المنظومة».. التي يمكن اعتبارها نموذجاً فذاً لإدارة دولة تقف على إرث عظيم وتعددية كبيرة وثقافة متنوعة.. كانا يوماً ما هي القوة الأبرز في العالم وتطمح أن تعود كذلك.. وفق النموذج الذي حقق لها تلك المكانة..

أكثر التحولات عمقًا هو ذلك الذي يتم ببطء وتمهّل، ومن داخل القواعد نفسها التي وضعها الخصم.

ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة تجربة الرئيس رجب طيب أردوغان في تركيا.

فالرجل الذي جاء من خلفية سياسية محافظة لم يدخل إلى الدولة التركية معلنًا الحرب على العلمانية، ولم يبدأ مشروعه بمحاولة اقتلاع النظام الذي ورثه. كانت تركيا التي وصل فيها حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002 تحمل إرثًا مؤسسيًا شديد الحساسية تجاه حضور الدين في المجال العام، وكانت المؤسسة العسكرية والقضاء والبيروقراطية قطاعات مؤثرة في حماية التصور الكمالي للعلمانية.

وكان التحدي الذي واجهه أردوغان معقدًا: كيف يمكن تغيير التوازن الثقافي والاجتماعي من دون أن يتحول المشروع نفسه إلى مادة تستخدم لإقصائه من اللعبة السياسية؟

هنا تظهر واحدة من السمات المهمة في تجربته الثرية والملهمة: إدارة التغيير بالتدرج، وتحويل المعركة من مواجهة حول الهوية إلى نقاش حول الحقوق.

وربما كانت قضية الحجاب من الأمثلة الاجتماعية الأكثر وضوحًا.

لسنوات طويلة كان الحجاب رمزاً لصراع حول طبيعة الجمهورية وحدود الدين والمجال العام.

وكانت قطاعات من المؤسسة العلمانية ترى أن ظهور الحجاب في الجامعات والمؤسسات الرسمية يتجاوز الحرية الشخصية إلى رمز سياسي قد يمس الطابع العلماني للدولة.

لكن أردوغان وحزب العدالة والتنمية عملا على نقل النقاش إلى أرضية مختلفة:

إذا كانت الجمهورية تؤمن بحرية المواطن، فلماذا تستطيع الدولة أن تقرر للمرأة ماذا ترتدي؟

وإذا كان التنوع جزءًا من المجتمع الديمقراطي، فلماذا تكون بعض أنماط الحياة مقبولة في المجال العام بينما تُستبعد أنماط أخرى؟

بهذا التحول أصبح الجدل أقل ارتباطًا بالسؤال القديم: «هل نريد دولة دينية أم علمانية؟»، وأكثر اتصالًا بسؤال آخر: هل تستطيع الدولة العلمانية أن تكون محايدة تجاه اختيارات مواطنيها؟

ولم يكن الطريق سهلًا. ففي عام 2008 أقر البرلمان تعديلات هدفت إلى إزالة القيود على الحجاب في الجامعات، لكن المحكمة الدستورية أبطلتها معتبرة أنها تتعارض مع مبدأ العلمانية. ثم تغير المشهد تدريجيًا خلال السنوات التالية، وصولًا إلى رفع القيود عن الحجاب في قطاعات واسعة من الخدمة العامة.
وهنا تكمن المفارقة السياسية اللافتة:

الأداة التي استُخدمت للدفاع عن الحجاب لم تكن إلغاء العلمانية، بل الاحتجاج بمبادئ الحرية والمساواة ذاتها.. فاللعب تم داخل الملعب لا خارجه، وهذه النقطة مهمة لفهم طريقة أردوغان في إدارة الصراع.

فبدل القول: هذه قواعدكم نرفضها، كان الجدل أكثر فاعلية، في مراحل عديدة حين يقال: سنقبل قواعد الدولة الديمقراطية، ونطالب بتطبيقها على الجميع.. وهذا فارق جوهري.

لأن المواجهة المباشرة كانت ستتيح لمؤسسات الدولة القديمة تصوير الصراع على أنه دفاع عن الجمهورية في مواجهة مشروع ديني. أما إعادة صياغة القضية باعتبارها قضية حرية فردية ومساواة في المواطنة، فقد جعلت الحدود بين «الدفاع عن العلمانية» و«فرض نمط حياة باسم العلمانية» أكثر قابلية للنقاش.

واللافت أن المحكمة الدستورية التركية نفسها انتقلت في مراحل لاحقة إلى قراءة أكثر اعتمادًا على الحقوق، وقد أشار رئيس سابق للمحكمة إلى أن اجتهادها منذ 2012 أصبح أكثر ليبرالية في تفسير العلمانية، وصدرت أحكام لمصلحة أفراد تعرضوا للتمييز بسبب ارتداء الحجاب.
وهكذا لم يعد السؤال: هل انتصر المتدين على العلماني؟
السؤال الأعمق أصبح: من يملك تعريف المجال العام؟
وهكذا تحول الأمر من الدفاع عن الهوية إلى إعادة تشكيل المجال العام، ولم يتوقف التحول عند الحجاب، فقد امتد إلى التعليم، والمدارس الدينية، والخطاب المتعلق بالأسرة والقيم الوطنية، وحضور الرموز والتقاليد الدينية في الحياة العامة.

وبذلك انتقلت قطاعات اجتماعية محافظة كانت تشعر تاريخيًا بأنها موجودة ديموغرافيًا ولكن حضورها محدود داخل بعض مؤسسات الدولة، إلى موقع أكثر ظهورًا وتأثيرًا.

وهنا يمكن الحديث عن «إدارة ثقافية» للصراع أكثر من الحديث عن انتصار عسكري أو قانوني سريع.. فالثقافة لا تتغير بمرسوم، إنها تتغير عندما يصبح ما كان ممنوعًا مألوفًا، وما كان هامشيًا حاضرًا، وما كان يُنظر إليه باعتباره خروجًا على النموذج يصبح واحدًا من عدة نماذج متنافسة داخل المجتمع.
وهذه ربما إحدى أهم أدوات حزب التنمية والغدالة بقيادة أردوغان السياسية: تحويل الاستثناء إلى اعتياد اجتماعي.
فالحجاب الذي كان وجوده في بعض المؤسسات معركة سياسية أصبح لاحقًا مشهدًا طبيعيًا في قطاعات واسعة من الحياة العامة.. خاصة أنه يواجه خصوماً أقوياء.. والقضية تحتاج إلى مناورة طويلة.. خاصة وأن قراءة التجربة باعتبارها طريقًا مستقيمًا يُعدّ من قبيل التبسيط الشديد لقضية معقدة.

فحزب العدالة والتنمية واجه -في سنواته الأولى خاصة- مؤسسات قوية وربما عنيفة في ردود فعلها، كما شهد عام 2007 مذكرة إلكترونية من قيادة الجيش وسط أزمة انتخاب رئيس الجمهورية، وفي 2008 واجه الحزب نفسه قضية أمام المحكمة الدستورية طالبت بإغلاقه على خلفية اتهامات تتعلق بأنشطة مناهضة للعلمانية.
ولذلك كانت المناورة جزءًا أساسيًا من التجربة.
يتقدم عندما تسمح موازين القوى، ويتجنب بعض المعارك عندما تكون كلفتها مرتفعة، وينقل الصراع من مساحة إلى أخرى، ويبحث عن التحالفات البرلمانية والقانونية والاجتماعية التي تتيح له توسيع المجال المتاح أمام مشروعه.

وهنا يمكن فهم التدرج لا باعتباره ترددًا، وإنما باعتباره طريقة ذكية في إدارة القوة.. فالسياسة هي أن تعرف ماذا تريد.. وأيضًا أن تعرف متى تطلبه، وبأي لغة، ومن أي باب.

ولكن ثمة وجه آخر للتجربة

فمنتقدو أردوغان يرون أن المسار الذي بدأ تحت عنوان توسيع الحريات لم يبق، في مراحل لاحقة، مجرد تحرير للمجال العام من القيود القديمة، بل صاحبه توسع في نفوذ السلطة التنفيذية وتراجع في بعض مؤشرات التعددية، وأن الدولة انتقلت – في رأي هؤلاء – من هيمنة ثقافية علمانية إلى تعزيز هوية محافظة بصورة قد تضغط بدورها على أنماط حياة أخرى.

وتظهر هذه المخاوف حتى اليوم في الجدل حول المناهج التعليمية؛ فقد دافع أردوغان عن إصلاحات تعليمية تركز على «القيم الوطنية»، بينما يقول معارضون ونقابات ومنظمات مدنية إنها تزيد الحضور الديني على حساب التصور العلماني للتعليم.
وهذا الاعتراض يضع الاختبار الحقيقي أمام أي مشروع يلتزم التعددية أمام السؤال المطروح: لقد استطاع تحرير ثقافته من هيمنة خصومه؟ فهل يستطيع، عندما يصبح هو الأقوى، أن يضمن لثقافة خصومه المساحة نفسها التي طالب بها لنفسه؟

لهذا ربما يكون الجانب الأكثر إثارة للدراسة في تجربة أردوغان ليس أنه خاض حربًا ضد العلمانية، وإنما أنه أدرك مبكرًا أن مهاجمة العلمانية من خارجها أقل فاعلية من إعادة مناقشة معناها من داخلها.. باعتبار فكرة (ذكاء نغيير السؤال)
فبدل المواجهة بين «الدين» و«العلمانية»، أصبح النقاش يدور حول الحرية.

وبدل القول إن الحجاب انتصار للدين، أمكن تقديم السماح به باعتباره حقًا للمرأة.

وبدل المطالبة بإقصاء النموذج الثقافي الآخر، أصبح السؤال المطروح: لماذا يحتكر نموذج واحد تعريف الحداثة؟

وهنا تكمن براعة سياسية تستحق الدراسة، بصرف النظر عن الاتفاق مع أردوغان أو الاختلاف معه.

لقد أدرك أن المعارك الفكرية الكبرى لا تُحسم دائمًا عندما تهزم فكرةً بفكرة، وإنما قد تُحسم عندما تنجح في تغيير السؤال الذي تدور حوله المعركة.

فإذا كان خصمك يقول: «أنا أدافع عن الحرية والتعددية»، فإن أقوى مواجهة فكرية ليست أن ترفض الحرية والتعددية، وإنما أن تسأله:
هل تتسع حريتك لمن يختلف عنك؟
وهل يعني تعدد الأفكار أن تكون جميع الخيارات متاحة بالفعل، أم أن التعدد مقبول فقط ما دام يتحرك داخل حدود نموذج ثقافي واحد؟

عند تلك النقطة لا تعود القضية حجابًا فقط، ولا علمانية فقط، ولا حتى أردوغان نفسه.

إنها تصبح سؤالًا أوسع عن الدولة الحديثة:

هل وظيفتها أن تختار للناس النموذج الثقافي الذي ينبغي أن يعيشوا داخله، أم أن تحرس المساحة التي تسمح للنماذج المختلفة بأن تعيش معًا؟

وربما كان هذا هو الميدان الذي خاض فيه أردوغان أهم معاركه الثقافية: لم يكتفِ بمحاولة تغيير الإجابات، بل عمل على تغيير الأسئلة نفسها.

إنها لعبة «تغيير قواعد السؤال من داخل المنظومة».. التي يمكن اعتبارها نموذجاً فذاً لإدارة دولة تقف على إرث عظيم وتعددية كبيرة وثقافة متنوعة.. كانا يوماً ما هي القوة الأبرز في العالم وتطمح أن تعود كذلك.. وفق النموذج الذي حقق لها تلك المكانة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى