موسم الشعر في جامعة قطر..

بقلم: علي المسعودي
عدت من المهرجان الأول للشعر في جامعة قطر وفي النفس بهجة يصنعها اللقاء الجميل، وأمل يجد أسبابه في وجوه الشباب وحماستهم.
كانت أيامًا عامرة بالشعر والحوار، جمعت متعة الإصغاء إلى القصيدة بجدية السؤال عن مكانتها في حياتنا، وعن صلتها باللغة والهوية والتربية، وقدرتها على مواكبة التحولات التي يعيشها الإنسان العربي.
وأجمل ما في هذه التجربة أن وراءها جهدًا شبابيًا طلابيًا يستحق الاحتفاء؛ شباب آمنوا بالفكرة، وعملوا على إخراجها إلى النور، ووجدوا في رحاب الجامعة من يحتضن طموحهم ويعينهم على تحويله إلى لقاء ثقافي يجمع الشعراء والأساتذة والطلبة.
وفي هذا الجهد يبرز الأخ عبدالله الراجح، الذي يستحق الشكر والتقدير، والتشجيع الذي لقيه وزملاؤه من إدارة جامعة قطر وأساتذتها وكل من أسهم في إنجاح هذا الموسم الأول.
كنت سعيدًا بمشاركتي في هذا اللقاء، وبالقراءات الشعرية التي جمعتني بعدد من الشعراء المشاركين، فللشاعر فرحة خاصة حين يقرأ أمام جمهور شاب يمنح الكلمة اهتمامه، فالإصغاء الصادق يعيد إلى القصيدة بعض أسرارها، ويجعل لحظة إلقائها تجربة مشتركة بين من يقولها ومن يتلقاها.
وقد كان حضور الطلبة مميزًا ومشجعًا حقًا. وجدت في اهتمامهم وتفاعلهم ما يدعو إلى الاطمئنان على صلة هذا الجيل بالعربية وآدابها، متى تهيأت له الفرصة المناسبة.
نحن نحتاج إلى أن نمنح الشباب مساحة يختارون فيها ويقترحون وينظمون، ففي مثل هذه المساحة تظهر طاقات قد تعجز القاعات الدراسية وحدها عن اكتشافها.
امتد البرنامج يومي السابع والثامن من أكتوبر، وجمع بين القراءات الشعرية والجلسات الفكرية والنقدية.
وافتتح الدكتور أيمن العتوم مسار الحوار بكلمة رئيسية عن «اللغة والهوية»، وهو موضوع يضعنا أمام العلاقة العميقة بين لسان الإنسان وذاكرته وانتمائه، ويمنح الاحتفاء بالشعر أفقًا يتصل بوجودنا الثقافي ومستقبل لغتنا.
وكانت لي مشاركة في جلسة «القيم الأخلاقية والتربوية في الشعر»، إلى جانب الدكتور أنس الدغيم، وأدارها محمد الحمادي.
وهذا محور أراه شديد الصلة بحياتنا، فالشعر يسهم في تهذيب الحس، وتوسيع إدراك الإنسان لمشاعر الآخرين، وإيقاظ الأسئلة المتعلقة بالخير والعدل والكرامة.
وكلما احتفظت القصيدة بصدقها وجمالها، ازداد ما تتركه في الوجدان من أثر.
وكان من أجمل فقرات البرنامج تخصيص مساحة لطلاب جامعة قطر، إذ قدّم محمد التميمي، وعبدالرحمن القديمي، وعبدالله الحسين قراءاتهم الشعرية الجميلة والمميزة.
وفي اليوم الثاني، تضمن الحفل الرئيسي كلمات الجامعة ووزارة الثقافة وكلية الآداب والعلوم والمؤتمر، إلى جانب تكريم الشركاء، وعرض مرئي عن «الشعر في جامعة قطر».
وشارك في القراءات الشعرية الدكتور أنس الدغيم، وعبدالله العنزي، وكاتب هذه السطور، والمتألق عبدالرحمن راجح، لتتواصل مساحة اللقاء المباشر بين القصيدة وجمهورها.
ثم جاءت جلسة «دور الشعر في ترسيخ اللغة العربية وتعزيز الهوية الثقافية»، بمشاركة الدكتور أيمن العتوم وحذيفة العرجي ومحمد السادة، وأدارها عبدالله الحسين.
وقد منح هذا المحور البرنامج ترابطًا واضحًا؛ فالشعر من أقدر الفنون على إبقاء اللغة حاضرة في الذاكرة والوجدان، بما يختزنه من إيقاع وصورة وتجربة إنسانية.
وحضر الإنشاد في فقرة فنية قدّمها محمد عباس، قبل أن تتناول جلسة «الشعر في العصر الرقمي» تحولات حضور القصيدة ووسائط انتشارها، بمشاركة الدكتور أنس الدغيم وعبدالله العنزي، وإدارة عبدالرحمن راجح.
أما جلسة «الشعر في المناهج الدراسية»، فقد شاركت فيها الدكتورة زينب المحمود والدكتور عبدالحق بلعابد، وأدارها الدكتور عبدالسلام حامد، لتفتح باب التفكير في الطريقة التي نقدّم بها الشعر إلى الطلبة، وكيف نجعل دراسته مدخلًا إلى التذوق والتأمل والاكتشاف.
هذا التنوع في المحاور يمنح الموسم الأول قيمة تتجاوز متعة اللقاء، فهو يصل القصيدة بأسئلة التعليم والهوية والقيم والتقنية، ويضعها في قلب الحياة الجامعية.
كما أن اجتماع الرعاية المؤسسية، والحضور الأكاديمي، والمبادرة الطلابية، يهيئ لهذه التجربة أسباب النمو والاستمرار.
كل الشكر لوزارة الثقافة ولجامعة قطر، ولإدارتها وأساتذتها وطلبتها، وللأخ عبدالرحمن الراجح، وللقائمين على التنظيم والشركاء الذين أسهموا في هذا العمل.
لقد عشنا أيامًا جميلة، وأحسب أن ما بدأ في هذا الموسم يفتح الباب أمام جهد ثقافي كبير، ننتظر امتداده، ونتمنى أن يجد ما يستحقه من دعم وعناية.
وأرجو أن نرى في موسم قادم، الوجوه الشابة التي حملت البدايات وقد اتسعت خبرتها، وانضمت إليها مواهب جديدة، وصار للشعر موعد راسخ في جامعة قطر، موعد يأتي إليه الطلبة بشغفهم، ويغادرونه وفي نفوسهم قصيدة، أو سؤال، أو فكرة .




