مقالات وبحوث
الشرق الأوسط بين عجز النموذج العربي وتقدّم المشاريع المنافسة: قراءة استراتيجية من مكتبة الإسكندرية
بقلم : علي المسعودي

في قاعة تحمل ذاكرة العالم، مكتبة الإسكندرية، لا تُناقَش الأفكار بوصفها ترفًا ثقافيًا، بل كمدخل لصياغة سياسات، وإعادة هيكلة رؤى، وقياس كلفة الفشل قبل كلفة القرار.
حضرتُ هذه الندوة كممثل لراعية المؤتمر الدكتورة سعاد الصباح، بعد تجربة سابقة لي كمحاضر أدبي في هذا الصرح، وفي الحالتين كان المشهد واحدًا: المنطقة العربية موضع تشريح فكري عميق، ولكن بنتائج مقلقة.
(عنوان المؤتمر الذي نظمه قسم الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة: إعادة تخيل الشرق الاوسط، السياسة والمجتمع والأمن الإنساني)
الدكتور حسن نافعة قدّم في مداخلته ما يمكن تسميته تقرير أداء استراتيجي للمشروع العربي الحديث.
تقرير لا يعتمد لغة الشعارات، بل منطق المراحل، والمؤشرات، ونقاط الإخفاق المتراكمة.
واستنتجت من كلمته النقاط التالية التي علقت عليها بأن المشروع العربي الفكري هو الأقوى.. لكن المشكلة في ادارته، مقابل مجموعة من التجارب الفاشلة المتمثلة في:
أولًا: فشل المشروع العربي… من حلم التوسع إلى إدارة الخسارة
إذا قرأنا التجربة العربية بعقلية الأعمال، فإن المشروع القومي العربي مرّ بثلاث مراحل كبرى، انتهت جميعها بنتيجة واحدة: عدم تحقيق القيمة المضافة.
1. مرحلة الوحدة: فشل في الاندماج بسبب غياب الحوكمة، وتضارب المصالح، وانعدام نموذج تشغيلي مشترك.
2. مرحلة المواجهة المسلحة مع إسرائيل: استنزاف الموارد دون تحقيق ميزة تنافسية أو ردع مستدام.
3. مرحلة السلام: اتفاقيات بلا عائد استثماري حقيقي على الأمن أو الاستقرار، أشبه بعقود طويلة الأجل بلا ضمانات تنفيذ.
ثم جاءت غزة، وعملية طوفان الأقصى، كنقطة اختبار نهائية كشفت هشاشة المنظقة العربية، ليس عسكريًا فقط ، بل سياسيًا وعسكريا .. لئلا اقول اخلاقيا
ثانيًا: الفشل في التفاعل… أزمة إدارة الصورة والرأي العام
الإضافة الجوهرية التي تكشف عمق الأزمة، ليست في العجز العسكري، بل في انهيار منظومة التفاعل:
• شجب رسمي غائب.. وان حضر فهو بلا أثر.
• بيانات بلا استراتيجية.
• احتجاج شعبي صامت، وان اعلن صوته فهو صوت سريع الذوبان، ولايتم تحويله إلى ضغط مؤسسي أو رأي عام منظم.
هنا يتجلى ما يمكن تسميته فشل إدارة السمعة العربية، حيث لم تستطع (،،،) ولا النخب تحويل الحدث إلى سردية سياسية مؤثرة عالميًا، ولا حتى إقليميًا.
ثالثًا: القواعد العشرون لترامب… إعادة تعريف السوق بالقوة
تحذير الدكتور حسن نافعة من “القواعد العشرين” التي يتبناها دونالد ترامب لا ينطلق من موقف سياسي فقط، بل من قراءة لمنطق إدارة العالم بعقلية الصفقة:
• الشرق الأوسط ليس شريكًا، بل سوقًا.
• الدول ليست كيانات سيادية، بل أصولًا.
• القضايا الكبرى تُدار بمنطق الربح والخسارة، لا العدالة أو التاريخ.
في هذا النموذج، غياب الموقف العربي الموحد يجعل المنطقة عرضة لإعادة التقسيم الوظيفي، لا الجغرافي فقط.
رابعًا: المشاريع المنافسة… عندما يغيب اللاعب الأساسي
بينما يتراجع الأداء العربي، تظهر مشاريع أخرى تعمل بخطط واضحة:
• المشروع التركي: توسع ناعم، ذكي، يعتمد على الاقتصاد، الثقافة، والدين كقنوات اختراق.
• المشروع الإيراني: إدارة نفوذ طويلة النفس، تستثمر في الفراغ، وتعيد تعريف التحالفات، حتى عبر دعم مجموعات سنية عند الحاجة.. ومنها داعش
هذان المشروعان لا يتحركان بردة فعل، بل وفق خارطة طريق، بينما يقف العرب في موقع المتلقي، أو الممول غير الواعي.
الندوة تحدث فيها الدكتورة نادية مصطفي مع عدد من الاكاديميين بجهود رئيس قسم العلوم السياسية د.محمد سلمان، والدكتورة اماني مسعود والدكتورة اميرة ابوسمرة بقيادة عميد الكلية الدكتور ممدوح اسماعيل، وعبر الأونلاين حضر معنا استاذ العلقات الدولية الدكتور أحمد يوسف.
ماخلصت اليه انا من الندوة ان الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل قسرية، في ظل:
• غياب قيادة عربية جامعة.
• تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.
• انعدام مشروع ثقافي–سياسي متكامل.
وهنا تبرز أهمية الرهان على القوة الناعمة، وعلى الثقافة والعقيدة كاستثمار طويل الأمد، لا كزينة جانبية.
ما طُرح في مكتبة الإسكندرية ليس مجرد ندوة، بل جرس إنذار استراتيجي. المنطقة العربية بحاجة إلى:
• إعادة تعريف مشروعها.
• تحديث أدواتها.
• الانتقال من عقلية رد الفعل إلى عقلية المبادرة.
ففي عالم يُدار بمنطق الأعمال، من لا يملك رؤية، يتحول إلى بند في ميزانية الآخرين.
