مقالات وبحوث

أفراح الصباح.. من «صندوق» النصّ إلى فضاء الحضور الثقافي

بقلم: د. أوركيد يوسف

تمثّل تجربة “أفراح المبارك الصباح” إحدى التجارب الشعرية الكويتية اللافتة في السنوات الأخيرة، لا من حيث النص وحده، بل من حيث الصورة الثقافية المركّبة التي صاغتها الشاعرة حول ذاتها: شاعرة، وكاتبة، وفاعلة ثقافية، وامرأة تمتلك قدرة نادرة على تحويل الشعر من فعل كتابيّ معزول إلى حدث إنساني واجتماعي تتقاطع فيه اللغة مع الوجوه، والنص مع الجلسة، والقصيدة مع الحوار.

وديوان «صندوق» يأتي ليشكّل مفهوماً حاكماً للتجربة كلها. كبنية فلسفية تُحيل إلى الذاكرة، والكتمان، والطفولة، والخسارات المؤجَّلة، وإلى تلك المناطق الرمادية بين ما يمكن قوله صراحه أو إخفاؤه بين السطور وثنايا المشاعر، أو التلميح له، او تركه كنص مؤجل تشعر بطيفه ولاتدري عن كنهه.

النصوص لا تُقدِّم اعترافاً مباشراً، ولا تنزلق إلى البوح المكشوف، بل تمارس ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد العاطفة”: أقلّ الكلمات، وأشدّها كثافة.

كأن الشاعرة تعي أن الإفراط في القول يفرّغ الألم من عمقه، وأن التلميح أقدر على التعبير الجمالي من التصريح.
اللغة في «صندوق» لغة نحيفة ظاهرياً، لكنها ثقيلة دلالياً. الجملة قصيرة، مشاغبة أحياناً، وخجولة أحياناً: كمن يمشي بحذر فوق ذاكرة قابلة للانكسار.

وهنا يحضر البُعد الفلسفي: الزمن لايمثّل خطّاً مستقيماً في الديوان، بل كتلة شعورية تتداخل فيها الطفولة مع الحاضر، والحلم مع الفقد، والانتظار مع الخيبة.

في نصوص «صندوق» لا نعثر على مقاومة صامتة، ناعمة دون صراخ أو ضجيج أو افتعال. مقاومة للنسيان، للتشييء، للاستهلاك السريع للمشاعر.

القصيدة هنا تفعل فعلها الأخلاقي بعيداً عن الوعظ المباشر، عبر إعادة أنسنة التجربة.
وتأتي النوستالجيا في الديوان على شكل سؤال مؤلم : ماذا بقي منّا بعد كل هذا العبور أيها الحنين الملحّ؟ وهل الذكريات خلاص، أم عبء نجرّه معنا؟

ما يميّز تجربة أفراح مبارك الصباح أن القصيدة لا تنتهي عند عند آخر كلمة في نصها. فهي تكملها بحضورها الثقافي ، من خلال الجلسات التي تنظّمها، وتلك التي تحشد فيها النخب والقرّاء، ليمثّل اللقاء الأدبي امتداداً عضوياً للنص.

الجلسة الثقافية عندها ليست استعراضاً اجتماعياً، بل فضاء تداولي تحاكم فيه الأفكار، وتعيد فيه قراءة النصوص، في سياق حيّ.. فاعل يتداخل فيه الصوت والصدى.. لتصبح العلاقة الثلاثية بين النص وكاتبته وقارئه:
علاقة اعتراف متبادل.

أفراح مبارك الصباح لا تفصل بين حياتها الثقافية وكتاباتها.. لكنها في الوقت ذاته تجعل منها نصاً مفتوحاً بـ “وعي”.. من خلال قدرتها على إدارة المسافة بين الخاص والعام .. وهذه هي سرّ نضج التجربة.

لكن «صندوق» لا يبدو ذروة نهائية، بل محطة تأسيس. ديوان يعلن عن مشروع شعري قابل للتطوّر، مشروع ينحاز إلى العمق ، وإلى التأمل.

وإذا استمر هذا التوازن بين النص، والحضور، والفعل الثقافي، فإن تجربة أفراح المبارك الصباح مرشّحة لأن تكون واحدة من التجارب الفردية، التي ستشكّل “علامة ثقافية” فارقة.

وهكذا.. في زمن السرعة، نعثر على شاعرة تكتب بهدوء.. وبهمس ناضج: كأنما تفتح الصندوق قليلاً.. قليلاً.. بقدر ما يحتمل القلب!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق