أدب

الفُنونُ النَّثْريَّةُ الكِتابيَّةُ

أثَّرَت النَّهْضةُ العِلْميَّةُ كَثيرًا في النَّثْرِ العَرَبيِّ؛ فقد تسَبَّبت كثرةُ المطابعِ واهتِمامُها بكُتُبِ التُّراثِ في عُكوفِ الكُتَّابِ والمثَقَّفينَ على العَديدِ مِنَ الكُتُبِ الأدَبيَّةِ، أمثالِ كُتُبِ الجاحِظِ، وابنِ المقَفَّعِ، وغَيرِهما، وقد أحدَثَت تلك الكُتُبُ -خاصَّةً كُتُبَ ابنِ المقَفَّعِ- تَغْييرًا جَذْريًّا في الكِتابةِ النَّثْريَّةِ في العَصْرِ الحديثِ؛ حيث أُعجِبَ الكُتَّابُ بتلك الكِتابةِ الَّتي لا تتكَلَّفُ السَّجْعَ والمحَسِّناتِ البَديعيَّةَ، وإنَّما تعتَمِدُ الأُسلوبَ المُرْسَلَ السَّلِسَ.

وقد أفادت حَرَكاتُ التَّرجمةِ في تَرجمةِ القِصَصِ والرِّواياتِ والكُتُبِ المُختَلِفةِ في الاجتِماعِ والفِكْرِ والسِّياسةِ وسائِرِ مَجالاتِ الثَّقافةِ الأجنَبيَّةِ؛ ممَّا كان له دورٌ بارزٌ في النُّهوضِ بالنَّثْرِ العَرَبيِّ مِن كُبوتِه.

وقد تبايَنَت أشكالُ النَّثْرِ الأدبيِّ في العَصْرِ الحَديثِ، فكان أهمَّها:

الأوَّلُ: الرَّسائِلُ

ظَهَرَت بوادِرُ النَّهْضةِ الأدَبيَّةِ على النَّثْرِ العَرَبيِّ في الرَّسائِلِ؛ فقد بَدَّلَت بالأعجَميَّةِ الفَصاحةَ العَرَبيَّةَ، وحرَصَت على استِقامةِ اللَّفْظِ وسَلامةِ التَّركيبِ ووُضوحِ المَعْنى.

وقد كان للصِّحافةِ أثَرٌ كبيرٌ في تحريرِ الكِتابةِ مِن تلك القُيودِ الَّتي كانت عليها؛ إذِ الصِّحافةُ لا تُخاطِبُ طَبَقةً بعَينِها، وإنَّما تُخاطِبُ بلُغتِها المتوَسِّطةِ عامَّةَ الشَّعْبِ، ولا تميِّزُ بَيْنَ طَبَقةٍ مِن أُخرى، فلا بُدَّ أن تَعمِدَ في إيصالِ المعاني للجَميعِ إلى لُغةٍ مَفهومةٍ بَسيطةٍ، لا تَكَلُّفَ فيها أو إغرابَ.

وقد تمثَّل التَّطَوُّرُ في الرَّسائِلِ الأدَبيَّةِ في:

الرَّسائِلِ الإخوانيَّةِ: والتي تكون بين الإخْوان والأصدقاء والمحبين، وقد حرص الكُتَّابُ فيها على استِقامةِ التَّراكيبِ وفَصاحةِ الألفاظِ وتأديةِ المعنى المرادِ مع مُطابَقةِ الكَلامِ لِمُقتَضى الحالِ.

بَيْدَ أنَّهم لم يَسْتَطيعوا أن يتخَلَّصوا تمامًا من رِبقةِ السَّجْعِ وتَكَلُّفِه، والاعتِناءِ بالمُحَسِّناتِ البَديعيَّةِ، ولعَلَّ السَّبَبَ في هذا أنَّ تلك الرَّسائِلَ تتمَيَّزُ بالطَّابَعِ الحُرِّ، فلا رَقيبَ فيها على الكاتِبِ، ولا قُيودَ يجِبُ عليه أن يتقَيَّدَ بها في كِتابتِه، كما هو الأمرُ في الكِتاباتِ الدِّيوانيَّةِ؛ فلا حَرَجَ على الكاتِبِ إذَنْ أن يُطنِبَ في وَصْفِ عاطِفَتِه إلى المُرسَلِ إليه، أو أن يُبالِغَ في المَديحِ أو الاعتِذارِ أو نحوِ ذلك ممَّا لا يَليقُ بالكِتاباتِ الرَّسْميَّةِ .

الرَّسائِلُ الدِّيوانيَّةُ:

كان لتَعريبِ الدَّواوينِ أكبَرُ الأثَرِ على الرَّسائِلِ الدِّيوانيَّةِ؛ حيثُ أدَّى ذلك إلى إفساحِ المجالِ لكِبارِ الكُتَّابِ، كما بَعَث على التَّنافُسِ بَيْنَ الكُتَّابِ للظَّفَرِ بتلك الوَظيفةِ الجَليلةِ.

وقد عرَفَت الرَّسائِلُ الدِّيوانيَّةُ ذلك الأُسلوبَ المُستَرسِلَ البَسيطَ، البَعيدَ عن تكَلُّفِ السَّجْعِ وتَعقيداتِ المحَسِّناتِ البَديعيَّةِ، إلَّا أنَّ ذلك لا يعني خُلُوَّ الرَّسائِلِ عنه تمامًا.

الثَّاني: المقالةُ

اختَلَف النُّقَّادُ في أدَبِنا الحديثِ في تحديدِ معنى المقالةِ وخصائِصِها الفِكريَّةِ، وأوَّلُ ما يَصِفونَها به أنَّها لا تخرُجُ عن كَونِها تعبيرًا عن إحساسِ الكاتِبِ وعن آرائِه الخاصَّةِ في الحياةِ .

وعرفَّها بعضُهم بأنَّها: “قِطعةٌ نَثْريَّةٌ مَحدودةُ الطُّولِ والموضوعِ، تُعالجُ مسألةً عِلميَّةً أو أدَبيَّةً أو اجتِماعيَّةً أو سياسيَّةً أو نَقْديَّةً … يَشرَحُها الكاتِبُ ويُؤيِّدُها بالبراهينِ والحُجَجِ حينًا، وبالانفِعالِ الوِجدانيِّ والتَّأثيرِ العاطفيِّ والتصويرِ الفَنيِّ حينًا آخَرَ، مراعيًا عُنصُرَ الإمتاعِ والإطرافِ والتشويقِ، ويَصِلُ فيها إلى نتيجةٍ دونَ تَعَمُّقٍ في ذلك أو استِقصاءٍ .

وقد عرف الأدَبُ العَرَبيُّ القديمُ ذلك النَّوعَ مِنَ الفَنِّ النَّثْريِّ في رسائِلِ الكُتَّابِ الأدَبيَّةِ، كرَسائِلِ الجاحِظِ الأدَبيَّةِ والسِّياسيَّةِ، وبَعْضِ كتاباتِ ابنِ المقَفَّعِ الَّتي سبَقَ ذِكْرُها، إلَّا أنَّ العَصْرَ الحديثَ شَهِدَ طفرةً أدَبيَّةً في تلك الرَّسائِلِ كمًّا وكيفًا؛ نتيجةً لظُهورِ الصِّحافةِ وانتِشارِها.

وقد نشأ ذلك الفَنُّ في أحضانِ الصِّحافةِ الَّتي تبنَّت المقالاتِ بجَميعِ أنواعِها، ورَمَت إلى الإصلاحِ الاجتِماعيِّ والسِّياسيِّ والنُّهوضِ الأدبيِّ، فعَمَدت إلى كِبارِ الكُتَّابِ والأُدَباءِ، وعَهِدَت إليهم بمُهِمَّةِ الكتابةِ الإصلاحيَّةِ في تلك الجرائِدِ.

بَيْدَ أنَّ النَّاظِرَ في تاريخِ المقالاتِ يَجِدُ أنَّها بدأت ضَعيفةً في لُغَتِها وأُسلوبِها وألفاظِها، تُشبِهُ الأدَبَ في عَصْرِ العُثمانيِّينَ والمماليكِ.

على أنَّ خُطوةً أُخرى قد أخَذَها فَنُّ المقالِ الأدبيِّ، تمثَّلَت في النُّهوضِ الأدَبيِّ الأُسلوبيِّ بلُغةِ المقالِ وفَلْسَفتِه؛ حيثُ التَفَت الكُتَّابُ إلى النَّثْرِ العَربيِّ القديمِ، ورأَوا ما فيه من الأُسلوبِ المُرسَلِ البسيطِ، الَّذي تحرَّر من قُيودِ المحَسِّناتِ البَديعيَّةِ والسَّجْعِ ونَحوِها، ونهَضَت هِمَمُهم إلى محاكاةِ ابنِ خَلدونَ، وابنِ المقَفَّعِ، والجاحِظِ، وعَبدِ الحميدِ بنِ يحيى، وغَيرِهم من أصحابِ الكِتاباتِ السَّلِسةِ الماتِعةِ، فأخَذَ الرُّوَّادُ مِنَ المثَقَّفينَ يَكتُبونَ مَوضوعاتٍ في السِّياسةِ والاجتِماعِ والدِّينِ بهذه اللُّغةِ الجانحةِ إلى الموضوعيَّةِ والوضوحِ والترَسُّلِ، وهم في ذلك مُراعونَ لمُقتَضَياتِ الصِّحافةِ وتحديدِ أنْهُرِها، ومستوى قُرَّائِها، ووسائِلِ تأتِّيها؛ فكانت من هذه الكِتاباتِ المقالاتُ الحقيقيَّةُ الأُولى في الأدَبِ الحديثِ. ثم انقَسَم أُسلوبُ الكُتَّابِ في الكِتابةِ إلى أطيافٍ ومدارِسَ، تُشبِهُ كثيرًا مدارِسَ الشِّعْرِ الَّتي نشَأَت في العَصْرِ الحديثِ، وقد أدَّى التَّمايُزُ والاختِلافُ في الأُسلوبِ إلى تشَكُّلِ طرائِقَ ثلاثٍ في الكِتابةِ المقاليَّةِ:

أ- الطَّريقةُ المحافِظةُ:

وهي طريقةٌ تعتَمِدُ على محاكاةِ الكِتابةِ القديمةِ في عُصورِ الأدَبِ الزَّاهِرِ، تتَّسِمُ بسِماتٍ أُسلوبيَّةٍ واضِحةٍ؛ من البُعدِ عن التَّكَلُّفِ، والنَّأيِ عن التَّقليدِ، والقَصْدِ إلى الصِّدْقِ، والاهتِمامِ بحُسْنِ الصِّياغةِ وجَمالِ الإيقاعِ، ورعايةِ الجانِبِ العاطِفيِّ، ثمَّ الميلِ إلى السُّهولةِ والترَسُّلِ، وتَرْكِ التَّعقيدِ والمحسِّناتِ، ما عدا بَعْضَ السَّجْعِ المطبوعِ الَّذي يأتي بَيْنَ الحينِ والآخَرِ للإسهامِ في موسيقى الصِّياغةِ.

ويُعَدُّ مُصطفى لُطفي المنفلوطيُّ رائِدَ تلك الطَّريقةِ؛ حيثُ حَرَص على الارتِقاءِ بأُسلوبِ الكِتابةِ ورِفعتِها، ولم تَكُنْ كِتابتُه مجَرَّدَ تَقليدٍ أو محاكاةٍ للقديمِ، بل أتت كتابتُه فيها كثيرٌ مِن مظاهِرِ التَّجديدِ والحَداثةِ، وتحمِلُ في طِيَّاتِها سماتِ الإبداعِ والأصالةِ، مع بيانِ طابَعِ الكاتِبِ وصفاتِه فيها، بحيث تتجَلَّى في المكتوبِ طبائِعُ الكاتِبِ وخِصالُه.

وقد اهتَمَّ المنفلوطيُّ بالقَضايا الأدَبيَّةِ والأخلاقيَّةِ والاجتِماعيَّةِ، وكتب الكثيرَ مِنَ المقالاتِ الَّتي جُمِعَت فيما بَعْدُ في كِتابِه “النَّظَرات”، الَّذي طُبِعَ مرَّاتٍ كثيرةً؛ لشِدَّةِ تأثيرِها على المتلقِّي، وأُسلوبِها الَّذي يجذِبُ القارئَ إليها، وقد تجلَّت ملامِحُ المنفلوطيِّ الأدَبيَّةُ في تلك المقالاتِ، وأبرَزُها: رعايةُ جمالِ الأُسلوبِ دونَ اعتِمادٍ على المحسِّناتِ، باستِثناءِ القليلِ مِنَ السَّجْعِ المطبوعِ، ثمَّ الاهتمامُ بتحريكِ العاطِفةِ وهَزِّها بمختَلِفِ الوسائِلِ.

وعلى الرَّغْمِ من تلك الحَفاوةِ الَّتي لاقاها المنفلوطيُّ وكتاباتُه إلَّا أنَّه قد عِيبَ عليه اهتِمامُه بالمعنى والأُسلوبِ على حِسابِ الجانِبِ الفِكريِّ، كما أُخِذَ عليه التَّصَنُّعُ في العاطِفةِ، فَضْلًا عن عَدَمِ الدِّقَّةِ في الاستِعمالِ اللُّغويِّ، والإطنابِ الكثيرِ الَّذي لا حاجةَ للسِّياقِ إليه.

ومن نماذِجِ مَقالاتِه: مقالةُ “الرَّحمة”: (سأكونُ في هذه المرَّةِ شاعِرًا بلا قافيةٍ ولا بحرٍ؛ لأنِّي أريدُ أن أخاطِبَ القَلْبَ وَجْهًا لوَجْهٍ، ولا سَبيلَ إلى ذلك إلَّا سَبيلُ الشِّعْرِ.

إنَّ البُذورَ تُلْقى في الأرضِ فلا تَنبُتُ إلَّا إذا حَرَث الحارِثُ تُربتَها، وجعل عالِيَها سافِلَها، وكذلك القَلبُ لا تَبلُغُ منه العِظةُ إلَّا إذا داخَلَتْه وتخلَّلَتْ أجزاءَه، وبلَغَت سُوَيداءَه، …أيُّها الرَّجُلُ السَّعيدُ كُنْ رَحيمًا، أشعِرْ قَلْبَك الرَّحمةَ، ليكُنْ قَلبُك الرَّحمةَ بعَينِها.

ستقولُ: إنِّي غَيرُ سَعيدٍ لأنَّ بَيْنَ جَنْبَيَّ قلبًا يُلِمُّ به من الهَمِّ ما يُلِمُّ بغيرِه من القُلوبِ، أجَلْ فلْيَكُنْ ذلك كذلك، ولكِنْ أطعِمِ الجائِعَ، واكْسُ العاريَ، وعَزِّ المحزونَ، وفَرِّجْ كُربةَ المكروبِ؛ يكُنْ لك من هذا المجتَمَعِ البائِسِ خَيرُ عَزاءٍ يُعَزِّيك عن هُمومِك وأحزانِك، ولا تَعجَبْ أنْ يأتيَك النُّورُ مِن سوادِ الحَلَكِ؛ فالبَدْرُ لا يَطلُعُ إلَّا إذا شَقَّ رِداءَ اللَّيْلِ، والفَجْرُ لا يَدرُجُ إلَّا مِن مَهْدِ الظَّلامِ….!) .

ب- طريقةُ المقالةِ المسجوعةِ:

ألِفَ بَعْضُ الكُتَّابِ السَّجْعَ وعُنُوا به، ورَأَوا أنَّ المحَسِّناتِ البَديعيَّةَ مِن تَتِمَّةِ الجَمالِ الفَنِّيِّ للمَقالةِ؛ ولهذا مال بَعْضُ الكُتَّابِ إلى معامَلةِ المقالةِ مُعامَلةَ الشِّعْرِ، ولا غَرْوَ إذَنْ أن يكونَ رائِدُ تلك الطَّريقةِ أميرَ الشُّعَراءِ أحمد شوقي، حين وَضَع كتابَه “أسواقُ الذَّهَبِ”، وتَبِعَه توفيقٌ البكريُّ في كتابِه “صهاريجُ اللُّؤلُؤِ”.

وكُلٌّ مِن الكتابَينِ يحوي مقالاتٍ في موضوعاتٍ مُختَلِفةٍ، وإن غَلَب عليها طابَعُ التَّأمُّلاتِ والانطِباعاتِ والوَصْفِ، وما إلى ذلك من الموضوعاتِ القريبةِ مِن ميدانِ الشِّعْرِ، وكُلُّ مقالةٍ تعتَمِدُ أساسًا في أُسلوبِها على السَّجْعِ، وحَشْدِ المترادِفاتِ، وإيرادِ الإشاراتِ التَّاريخيَّةِ، وبَثِّ الحِكَمِ والأمثالِ، وينفَرِدُ “صهاريجُ اللُّؤلُؤِ” بتضمينِ المقالاتِ بَعْضَ ما يناسِبُ المقامَ مِن الشِّعْرِ؛ سواءٌ مِن نَظْمِ المؤلِّفِ أو مِن غَيرِه مِنَ الشُّعَراءِ.

ج- الطريقةُ المبنيَّة على الفكرة والموضوع:

أصحابُ هذه الطَّريقةِ لم يَشغَلوا أنفُسَهم بجودةِ الأُسلوبِ ورِفعتِه، ولا بالسَّجْعِ والتَّجنيسِ، ولا اهتمُّوا بسُموقِ الأُسلوبِ النَّثْريِّ، وإنَّما اهتَمُّوا بالجانِبِ الفِكْريِّ، فمالوا إلى الموضوعيَّةِ، واصطِناعِ المَنطِقِ، وجَنَحوا إلى الوُضوحِ والدِّقَّةِ، والترَسُّلِ الكامِلِ، وهي الطريقة السَّائدة اليوم.

موضوعاتُ المقالةِ وأنواعُها:

عرَفَت المقالةُ النَّثْريَّةُ العديدَ مِن الموضوعاتِ الَّتي استطاع الكُتَّابُ أن يَصيغوها في قالَبِها المَرِنِ، فالمقالةُ وِعاءٌ قابِلٌ للتشَكُّلِ والانصياغِ بحَسَبِ المادَّةِ الموضوعةِ فيه، سواءٌ كانت تلك المادَّةُ سياسيَّةً أم عِلْميَّةً، أم أدَبيَّةً أم اجتِماعيَّةً، أم فَلْسَفيَّةً أم غَيرَها.

إلَّا أنَّ الأُدَباءَ قد اعتادوا على تقسيمِ المقالةِ أقسامًا بحسَبِ الموضوعِ والأُسلوبِ والكاتِبِ؛ فبحَسَبِ الموضوعِ تنقَسِمُ المقالةُ إلى مقالاتٍ سياسيَّةٍ واجتِماعيَّةٍ، وفلسفيَّةٍ ووصفيَّةٍ، واقتِصاديَّةٍ ودينيَّةٍ، وغَيرِ ذلك من الموضوعاتِ الَّتي تُناقِشُها المقالةُ.

فتُعنى المقالاتُ الأدَبيَّةُ مَثَلًا بالنظَرِيَّاتِ الفَنيَّةِ والنَّقْدِ الأدبيِّ للشِّعْرِ والنَّثْرِ، وتتَّضِحُ فيها خصائِصُ الذَّاتيَّةِ والانفِعالِ، وتتغَلَّبُ فيها حرارةُ الوِجْدانِ على رزانةِ الفِكْرِ. وأبرَزُ تلك المقالاتِ ما في كتاباتِ المنفلوطيِّ في كتابَيه “النَّظَراتُ” و”العَبَراتُ”، وما في كُتُبِ مصطفى صادِقٍ الرافعيِّ.

وتهتمُّ المقالاتُ الدِّينيَّةُ بالأحداثِ والأفكارِ، وإبرازِ العاطِفةِ فيما يخصُّ العقيدةَ الدِّينيَّةَ، فيَكتُبُ الكاتِبُ مقالةً تُبِينُ عن رأيِه في مسألةٍ ما، يتَّسِمُ أسلوبُه فيها بالتدَفُّقِ الشَّاعِريِّ نحوَ القِيَمِ الدِّينيَّةِ، يُدافِعُ عنها، ويُصَحِّحُ للنَّاسِ مفاهيمَها الَّتي وصَلَت إليهم بشَكلٍ مَغلوطٍ. وقد كثُرَت الصُّحُفُ والمجلَّاتُ الَّتي تتبنَّى تلك المقالاتِ.

وتتناوَلُ المقالةُ الاجتِماعيَّةُ الظَّواهِرَ الاجتِماعيَّةَ والعاداتِ السَّيِّئةَ، وترصُدُ التَّقاليدَ الضَّارَّةَ؛ رغبةً في الإصلاحِ المجتَمِعيِّ. وتتَّسِمُ تلك المقالاتُ بالوُضوحِ والبَساطةِ والسُّهولةِ في الألفاظِ والمعاني، كما تعتَمِدُ على الأدِلَّةِ العَقليَّةِ والحُجَجِ المَنطِقيَّةِ. ومن أبرَزِ كُتَّابِها: المنفلوطُّي، والرَّافِعيُّ، والزَّيَّاتُ، ومحمَّد حسن عوَّاد.

وتنقَسِمُ المقالةُ كذلك بحسَبِ أُسلوبِها إلى مقالةٍ عِلميَّةٍ يهتَمُّ الكاتِبُ فيها بالإحصائيَّاتِ ولُغةِ الأرقامِ والتجارِبِ، يَعرِضُ فيها نظريَّةً مِن نَظَريَّاتِ العِلْمِ يؤيِّدُها أو يعارِضُها، مع الحِرْصِ على تحديدِ مُفرَداتِه ورُموزِه بدِقَّةٍ، دونَ الاعتِناءِ بالبلاغةِ الأدَبيَّةِ أو المحَسِّناتِ اللَّفْظيَّةِ والمعنَويَّةِ، بل ورُبَّما بغَضِّ النَّظَرِ عن الأخطاءِ اللُّغَويَّةِ!

القِسْمُ الآخَرُ مِن أقسامِ المقالةِ بحَسَبِ أُسلوبِها: المقالةُ الأدَبيَّةُ: وهي تلك الَّتي يهتَمُّ الكاتِبُ فيها بتَنْميقِ الكلامِ، والحِرْصِ على البَيانِ، ومُراعاةِ مُقتَضى البلاغةِ وأحكامِ النَّحْوِ والصَّرْفِ، سواءٌ كان يَعرِضُ في تلك المقالةِ لمَوضوعٍ أدبيٍّ أو سياسيٍّ، أو عِلْميٍّ أو اجتِماعيٍّ، أو غَيرِه.

وتنقَسِمُ المقالةُ كذلك بحسَبِ مَوقِفِ الكاتِبِ مِن الموضوعِ إلى ذاتيَّةٍ ومَوضوعيَّةٍ؛ يتناوَلُ الكاتِبُ في المقالةِ الذَّاتيَّةِ مَوضوعًا من المَوضوعاتِ، ويَظهَرُ أثَرُه وفِكْرُه ومَوقِفُه فيه؛ فرُبَّما عرَضَ خِبرتَه الشَّخْصيَّةَ في مسألةٍ ما، أو ذَكَر مَشاكِلَ مجتَمَعِه الَّتي يَعيشُها ويرغَبُ في إيجادِ حَلٍّ لها، وربَّما وصَفَ البيئةَ أو الطَّبيعةَ وَصفًا أدبيًّا تتجَلَّى فيه رُوحُه وينعَكِسُ منه انطِباعُه، وربَّما كتَبَ سيرةَ أحَدِ الأعلامِ المشهورينَ، وقد برَزَت في تلك السِّيرةِ ملامِحُ التَّأثُّرِ بالقَبولِ أو الرَّفْضِ.

وتقابِلُها المقالةُ الموضوعيَّةُ، وهي الَّتي يَعرِضُ فيها الأديبُ موضوعَ المقالةِ بحياديَّةٍ تامَّةٍ، يَصِفُ الأُمورَ كما هي، يتجَرَّدُ فيها الكاتِبُ عن شَخصِيَّتِه، وتتوارى فيها عاطِفَتُه، فيعتَمِدُ على الحقائِقِ والنَّظَريَّاتِ الثَّابتةِ في الوَصْفِ، ويَرْكَنُ إلى الحُجَجِ والأدِلَّةِ والبراهينِ العَقليَّةِ، سواءٌ كان ذلك الموضوعُ سياسيًّا أم تاريخيًّا، أم فلسفيًّا أم غيرَه .

الثَّالِثُ: القِصَّةُ

القِصَّةُ: عَمَلٌ أدَبيٌّ يُصَوِّرُ حادِثةً مِن حوادِثِ الحياةِ، أو عِدَّةَ حوادِثَ مُترابِطةٍ، يتعَمَّقُ القاصُّ في تَقَصِّيها والنَّظَرِ إليها من جوانِبِ مُتعَدِّدةٍ؛ ليَكْسِبَها قيمةً إنسانيَّةً خاصَّةً، مع الارتِباطِ بزَمانِها ومَكانِها، وتَسَلْسُلِ الفِكْرةِ فيها وعَرْضِ ما يتخَلَّلُها من صِراعٍ مادِّيٍّ أو نَفْسيٍّ، وما يَكتَنِفُها مِن صِعابٍ وعَقَباتٍ، على أن يكونَ ذلك بطَريقةٍ مَشوقةٍ تَنْتَهي إلى غايةٍ مُعَيَّنةٍ.

وعرَّفها بَعْضُهم بأنَّها: حكايةٌ مُصطَنعةٌ مَكتوبةٌ نَثْرًا، تَستَهدِفُ استِثارةَ الاهِتمامِ، سواءٌ أكان ذلك بتطَوُّرِ حوادِثِها، أو بتصويرِها للعاداتِ والأخلاقِ، أو بغَرابةِ أحْداثِها .

نَشأةُ الفَنِّ القَصَصيُّ وتطَوُّرُه:

يميلُ الإنسانُ -مع اختِلافِ عِرْقِه وتبايُنِ ثَقافتِه- إلى ذلك النَّوعِ مِن الأخبارِ المَشوقةِ، سَواءٌ تلك الأخبارُ الحَقيقيَّةُ التَّاريخيَّةُ، أو حتى ما ابتكَرَه المؤلِّفونَ مِن نَسْجِ خيالِهم، أو اعتِمادًا على بَعْضِ الوقائِعِ السَّابقةِ؛ ولهذا فإنَّ القِصَّةَ فَنٌّ مُشتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ جميعًا، تهفو إليه قُلوبُ النَّاسِ وتنصَرِفُ نَحوَه أبصارُهم، فكلُّ أمَّةٍ مِن الأُمَمِ لَدَيها مخزونٌ مِن ذلك الفَنِّ، قَلَّ أو كَثُر .

وقد عَرَف العَرَبُ الجاهِليُّونَ بوادِرَ تلك القِصَصِ؛ فقد كان منها ما يَنقُلُه الشُّعَراءُ مِن أخبارِهم ووقائعِهم، سواءٌ ما يتعَلَّقُ بالبُطولةِ والشَّجاعةِ كأشعارِ الصَّعاليكِ، أو ما يتعَلَّقُ بالغَزَلِ والمُغامَراتِ العاطِفيَّةِ مِثْلُ شِعْرِ امرِئِ القَيسِ والأعْشى وغَيرِهما.

ولمَّا جاء الإسلامُ وحوى القُرآنُ الكثيرَ مِنَ القِصَصِ القُرآنيَّةِ؛ مِن أخبارِ الأنبياءِ والصَّالحينَ، وذِكْرِ هلاكِ الفُسَّاقِ والكافِرينَ، وجاءت السُّنَّةُ فبَيَّنَت كثيرًا مِنَ القِصَصِ السَّابِقةِ، واعتَمَد المفَسِّرونَ والوُعَّاظُ على أخبارِ بني إسرائيلَ وقِصَصِهم.

وصوَّر لنا الشِّعْرُ في عَصْرِ الأُمَوِيّينَ والعبَّاسِيِّينَ قِصَصًا، وفي العَصْرِ العبَّاسيِّ بدأت مَرحَلةُ التَّرْجَمةِ، فَنَقل المُتَرْجِمونَ قِصَصًا أجنبيَّةً؛ مِثْلَ “كَليلة ودِمْنة” الَّتي نقَلَها ابنُ المقَفَّعِ، وعارَضَها كثيرٌ من الكُتَّابِ، كما ألَّف العَرَبُ بَعْدَ ذلك أعمالًا مِثْلَ “ألْف لَيلة ولَيلة”، وروى الجاحِظُ أخبارًا وطرائِفَ عن البُخَلاءِ، وابتكَرَ بَديعُ الزَّمانِ الهَمَذانيُّ فِكرةَ المقاماتِ، وألَّف عددًا كبيرًا منها، قلَّده فيها كَثيرٌ مِنَ الكُتَّابِ المَشارِقةِ والأندَلُسيِّينَ، كان أبرَعَهم أبو القاسِمِ الحَريريُّ الَّذي سار على دَربِ أُستاذِه بَديعِ الزَّمانِ.

كما ظهَرَ بَعْدَ ذلك نَوعٌ مِنَ القِصَصِ الشَّعْبيَّةِ الَّتي تعتَمِدُ على اللُّغاتِ العامِّيَّةِ، وهي قِصَصٌ تعتَمِدُ على الخَيالِ بشَكلٍ كبيرٍ، غَيْرَ أنَّها اعتَمَدت على بَعضِ وقائِعِ التَّاريخِ، ومِنها: عَنْترةُ، قِصَّةُ بني هِلالٍ، سَيفُ ذي يَزَن، علي الزِّيبق، الظَّاهِر بيبَرْس، وغَيرُها.

وقد بدأت مَرحلةُ الاحتِكاكِ الحَقيقيِّ بفَنِّ القِصَّةِ على يَدِ المُترجِمينَ في العَصْرِ الحديثِ؛ حيثُ تَرْجَم رِفاعةُ الطَّهْطاوي “مُغامَرات تليماك” لفنلون، وسمَّاها: “مواقِعَ الأفلاك في وقائِعِ تليماك”، غَيْرَ أنَّه اعتمد فيها على السَّجْعِ وأساليبِ البَديعِ المعروفةِ في المقاماتِ، ولم يقتَصِرْ دَورُ رِفاعةَ على مجَرَّدِ التَّرْجمةِ، بل إنَّه مَصَّر القِصَّةَ، فغَيَّر أسماءَ الشَّخْصيَّاتِ، وتصَرَّفَ في المعاني، وأدخَلَ آراءَه في التَّربيةِ والحِكَمِ.

وعلى خُطَا رِفاعةَ سار المُترجِمون مِن بَعْدِه، غَيرَ أنَّهم لم يَعْتَنوا بالسَّجْعِ مِن بَعْدِه، فتحَرَّرت الكِتابةُ شيئًا فشيئًا من السَّجْعِ، وقد اشتَهَر من هؤلاء المُترجِمون: حافظ إبراهيم الَّذي ترجَمَ “البُؤَساء” لفيكتور هوجو، والمنفلوطيُّ الَّذي ترجَم “بول وفرجيني” و”في سَبيلِ التَّاجِ”، وكِلاهما لم يَكُنْ له عِلْمٌ بالفَرَنْسيَّةِ، فحرَّف حافِظٌ في القِصَّةِ كَثيرًا، واعتَمَد المنفلوطيُّ على من يُترجِمُ له، ثمَّ نقل المعانيَ الَّتي وصَلَتْه بَعْدَها إلى العَرَبيَّةِ، كما اشتَهَر في التَّرجمةِ بعد ذلك غيرُهم.

وقد نَتَج عن تلك المَرْحلةِ أن خاض العَرَبُ أوَّلَ تجرِبةٍ في كِتابةِ القِصَّةِ، لا تعتَمِدُ على الفَنِّ الغَربيِّ، وقد كانت باكورةُ ذلك روايةَ “زينب” لمحمَّد حسين هيكل، تلَتْها بَعْدَ ذلك محاوَلاتٌ أُخرى، منها المجموعةُ القَصَصيَّةُ لمحمود تيمور “ما تراه العُيونُ”.

وقد تنَوَّعَت اتجاهاتُ تلك القِصَصِ وتمايَزت؛ فكان منها التَّحْليليُّ الاجتِماعيُّ الَّذي يهتَمُّ بوَصْفِ المجتَمَعِ وبَيانِ طَبَقاتِه ونَحْوِ ذلك، ومنها الَّذي يهتَمُّ بالتَّحْليلِ النَّفْسيِّ في الرَّجُلِ والمرأةِ، ويَستَمِدُّ ذلك من الوَقائِعِ المُستَمِرَّةِ، إلَّا أنَّ أغلَبَ القِصَصِ كانت على النَّوعِ الأوَّلِ، وهو التَّحْليلُ الاجتِماعيُّ.

وقد ظهَرتَ بَعدَ ذلك القِصَصُ التَّاريخيَّةُ الَّتي تعتَمِدُ على بَعْضِ أحداثِ التَّاريخِ القَديمِ، سواءٌ جاءت به على تمامِه دونَ تحريفٍ أو زيادةٍ أو نُقْصانٍ، أم مَزَجَت الأخبارَ الصَّحيحةَ بالخُرافاتِ والأساطيرِ المُزَيَّفةِ.

ومع بُلوغِ الكِتابةِ القَصَصيَّةِ العَرَبيَّةِ شأْوًا عظيمًا، استقرَّ الأدَبُ العَرَبيِّ على التَّفْرقةِ بَيْنَ القِصَّةِ القَصيرةِ وبَيْنَ الرِّوايةِ، كما أنَّ الرِّوايةَ قد نَمَت كثيرًا، وتعَدَّدت ألوانُها واتجاهاتُها؛ فكان منها التَّحْليليُّ النَّفْسيُّ، والتَّجْريبيُّ الشَّخْصيُّ، والاجتِماعيُّ والتَّاريخيُّ، والفَلْسَفيُّ الفِكْريُّ … وكان من نتائِجِ تقَدُّمِ فَنِّ القَصَصِ أنْ عَرَف الأدَبُ العَرَبيُّ فَنَّ التَّرجمةِ الذَّاتيَّةِ، واليوميَّات الحياتيَّة” .

الأنواعُ القَصَصيَّةُ:

اختَلَفَت الأنواعُ القَصَصيَّةُ الَّتي تَحْكي حادِثةً ما، وتَسرُدُ تفاصيلَها ووقائِعَها وشَخْصيَّاتِها ونهايتَها، ويرجِعُ ذلك الاختِلافُ إلى طريقةِ العَرْضِ، والغَرَضِ من ذلك النَّوعِ القَصَصيِّ، وحَجْمِ تلك المادَّةِ المُنتَجةِ، فَضْلًا عن طَريقةِ السَّرْدِ، وكيفيَّةِ عَرْضِ العناصِرِ القَصَصيَّةِ الَّتي يلزَمُ وجودُها في كُلِّ عَمَلٍ قَصَصيٍّ، وهي:

1. الحادِثةُ.

2. الأشخاصُ.

3. بناءُ العَمَلِ الفَنِّيِّ، ويتناوَلُ العُقدةَ والحَلَّ.

4. الزَّمانُ والمكانُ.

5. السَّرْدُ والحِوارُ والوَصْفُ.

6. الفِكْرةُ .

والأعمالُ القَصَصيَّةُ تنقَسِمُ إلى:

1- الحِكاياتِ: وهي تلك الَّتي يُحكى فيها واقِعةٌ ما، خياليَّةٌ أو حقيقيَّةٌ، مِن غَيرِ التِزامٍ بقواعِدِ الفَنِّ القَصَصيِّ أو الأدَبيِّ.

2- الأُقْصوصةُ: وهي تلك الَّتي تقومُ على رَسمِ مَنظَرٍ ما، كما يصنَعُ يوسُف إدريس في أُقصوصاتِه.

3- القِصَّةُ القَصيرةُ.

4- الرِّوايةُ.

غَيرَ أنَّ القِصَّةَ القَصيرةَ والرِّوايةَ هما أشهَرُ تلك الأنواعِ؛ حيث تتوافَرُ فيهما الشُّروطُ الأدَبيَّةُ والمعاييرُ الغَربيَّةُ للفَنِّ القَصَصيِّ، كما أنَّ أغلَبَ الكِتاباتِ العَرَبيَّةِ القَصَصيَّةِ تدورُ في مِحْوَرَيهما.

أولًا: القِصَّةُ القَصيرةُ

اختَلَف الأُدَباءُ في تحديدِ مَفهومٍ للقِصَّةِ القَصيرةِ، والتَّمْييزِ بينها وبَيْنَ القِصَّةِ الطَّويلةِ الَّتي تُعرَفُ باسْمِ الرِّوايةِ، فذَهَبوا في ذلك مَذْهَبينِ:

المَذهَبُ الأوَّلُ: التَّفْرِقةُ الكَمِّيَّةُ بَيْنَ القِصَّةِ والرِّوايةِ؛ فالقِصَّةُ تتراوَحُ كَلِماتُها بَيْنَ 500 كَلِمةٍ إلى 10000، وما زاد على ذلك فهو رِوايةٌ، وقيل: بل العِبرةُ بالوَقتِ؛ فقِراءةُ القِصَّةِ تَستغرِقُ رُبعَ ساعةٍ إلى ساعَتَينِ على اختِلافِ الآراءِ.

المذهَبُ الثَّاني: التَّفْرِقةُ الكَيفيَّةُ: وهي تعتَمِدُ على خَصائِصِ القِصَّةِ القَصيرةِ وممَيِّزاتِها؛ فلا بُدَّ في القِصَّةِ مِن وَحْدةِ الانطِباعِ أو الأثَرِ؛ ولذا لا يَنْبغي أن تتعَدَّدَ الشَّخْصيَّاتُ والأزمِنةُ والأمكِنةُ، وألَّا تتفَرَّعَ الحوادِثُ وتتشَعَّبَ، وأن يَعتَمِدَ المؤلِّفُ على الإيجازِ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يُؤثِّرَ الوَصْفُ في النَّصِّ؛ ولهذا فإنَّ التَّفْرِقةَ بَيْنَ القِصَّةِ القَصيرةِ والرِّوايةِ تَفرِقةً كَمِّيَّةً غَيْرُ صَحيحةٍ؛ إذ يمكِنُ أن تَزيدَ القِصَّةُ القَصيرةُ على الرِّوايةِ في حَجْمِها إذا تقيَّد مُؤَلِّفُ القِصَّةِ بشَرطِ القِصَّةِ القَصيرةِ، وهو النَّظْرةُ المركِّزةُ والاعتِمادُ على الإيجازِ.

يقولُ عِزُّ الدِّينِ إسماعيل: (والفَرْقُ بينهما هو الفَرْقُ بَيْنَ الموضوعِ الحَيِّ المعروضِ في صورةٍ عُضْويَّةٍ مُتفاعِلةِ الأجزاءِ مُتكامِلةِ العناصِرِ، والموضوعِ الجامِدِ الَّذي يغلِبُ عليه طابَعُ التَّجْريدِ والتَّلْخيصِ؛ فالقِصَّةُ القَصيرةُ من المُمكِنِ أن تجتازَ بالقارِئِ فَترةً زَمَنيَّةً طويلةً، كما تصنَعُ الرِّوايةُ، ولكِنْ يحدُثُ الفَرْقُ هنا في طَريقةِ العَرْضِ؛ فالتَّفْصيلاتُ والجُزْئيَّاتُ الَّتي تملأُ كُلَّ يومٍ وكُلَّ ساعةٍ في تلك الفَترةِ الزَّمَنيَّةِ لا حاجةَ لكاتِبِ القِصَّةِ القَصيرةِ بها، بل إنَّه يجتازُ كُلَّ شَيءٍ لينتَقِلَ مُباشَرةً مِن لَمسةٍ مِن لَمَساتِه للمَوضوعِ إلى أُخرى، مجتازًا بذلك من الزَّمَنِ فَترةً قد تَطولُ وقد تَقصُرُ. فطريقةُ العِلاجِ ترتَبِطُ ارتِباطًا حيًّا بالموضوعِ، وهذا -مِن جِهةٍ أُخرى- فَرْقٌ جَوهريٌّ بَيْنَ القِصَّةِ القَصيرةِ والطَّويلةِ. فلْينتَقِلْ كاتِبُ القِصَّةِ القَصيرةِ في الزَّمَنِ كيف شاء، وليَجْتَزِ الشُّهورَ والسِّنينَ، ولكِنَّ الَّذي يجعَلُ عَمَلَه قِصَّةً قَصيرةً -برَغْمِ ذلك- هو الوَحْدةُ الزَّمَنيَّةُ الَّتي تتمَثَّلُ في القِصَّةِ، فلا بُدَّ في القِصَّةِ القَصيرةِ مِن هذه الوَحْدةِ الزَّمَنيَّةِ الَّتي تربِطُ بَيْنَ لَمَساتِه المتباعِدةِ في الزَّمانِ، وهذا طبيعيٌّ إذا عرَفْنا أنَّ القِصَّةَ القصيرةَ في عُمومِها لا تتجاوَزُ الفِكْرةَ الواحِدةَ) .

ثانيًا: الرِّوايةُ

تختَلِفُ الرِّوايةُ عن القِصَّةِ القَصيرةِ في الحَجْمِ وطريقةِ العِلاجِ والتناوُلِ للأحداثِ كما ذكَرْنا؛ فالرِّوايةُ لا بُدَّ فيها من تَوطِئةٍ ومُقَدِّمةٍ تُمَهِّدُ للقارِئِ الظُّروفَ الَّتي جرت فيها الأحداثُ الَّتي تتضَمَّنُها الرِّوايةُ، كما أنَّ الرَّاويَ يهتَمُّ بالتفاصيلِ جِدًّا، ويحرِصُ على بيانِ كُلِّ الأُمورِ الفَرعيَّةِ والهامِشيَّةِ، ويَستعينُ على ذلك بعُنصُرِ الوَصْفِ الَّذي يَصِفُ ما جرى في دقيقةٍ في عِدَّةِ صَفَحاتٍ.

وهذا بخِلافِ القِصَّةِ القصيرةِ الَّتي تعتَمِدُ على الإيجازِ والاختِصارِ والتركيزِ على الشَّخْصيَّاتِ والأحداثِ الرَّئيسةِ.

وليس الفرقُ بَينَهما في مجرَّدِ الطُّولِ وكَثرةِ الصَّفَحاتِ، بل في طريقةِ السَّبكِ والوَصفِ وتكييفِ المادَّةِ؛ فكلٌّ من القاصِّ والرَّاوي يستَخدِمان المادَّةَ نَفسَها من مشاكلِ الإنسانِ وقضاياه وواقِعِ حياتِه، وإنَّما يَكمُنُ الخلافُ في قالَبِ الرِّوايةِ والقِصَّةِ؛ فالرِّوائيُّ يُحوِّلُ الثَّوانيَ التي تمُرُّ في لحظاتِ الإنسانِ إلى دقائِقَ وساعاتٍ؛ ويَدخُلُ إلى شَخصيَّاتِ الرِّوايةِ، ويُحَلِّلُها تحليلًا نفسيًّا يبرِزُ ملامحَها وسَلبيَّاتِها وإيجابيَّاتِها، كما يَقِفُ على المناظِرِ والخلفيَّاتِ ونحوِها بالوَصفِ الدَّقيقِ كأنَّه يرسمُها بريشةِ فَنَّانٍ. وهذا كُلُّه لا يوجَدُ في القِصَّةِ التي تهتَمُّ بالعناصِرِ الرَّئيسةِ في لغةٍ مُحكَمةٍ تتَّصِفُ بالتَّكثيفِ.

نشأةُ الرِّوايةِ العَرَبيَّةِ وتطَوُّرُها:

سبقت مَرحَلةَ نشأةِ الرِّوايةِ العَرَبيَّةِ إرهاصاتٌ تُبَشِّرُ بها، وتعمَلُ جاهدةً على تهيئةِ الجوِّ لاستِقبالِ المولودِ الأدبيِّ الجديدِ، وتُمَرِّنُ الأدَباءَ على التَّكَيُّفِ مع ذلك الوافِدِ؛ فإذا كان العَرَبُ قد عَرَفوا الرِّوايةَ بمُسَمَّاها وعناصِرِها في القَرنِ العِشرين، فإنَّ القَرنَ التَّاسِعَ عَشَرَ -بل وأواخِرَ الثَّامِنَ عَشَرَ- قد ظهرت فيه بوادرُ نشأةِ ذلك الفَنِّ الجديدِ.

بدأ الأدَباءُ العَرَبُ بمحاولاتِ تعريبِ ومحاكاةِ الرِّواياتِ الغَربيَّةِ؛ فهذا رِفاعةُ الطَّهطاويُّ يُترجِمُ روايةَ “مُغامَرات تِلِيماك” للأديبِ الفَرَنسيِّ فِنِيلُون، ويُسَمِّيها: “مواقِعُ الأفلاك في وقائِعِ تِلِيماك”، وكانت قريبةً إلى المقاماتِ من حيثُ الشَّكلُ والسَّجعُ، وتعَدُّدُ أنواعِ البديعِ، كما نشَرَ خليل الخُوري في لُبنانَ بعضًا من الرِّواياتِ المُعَرَّبةِ، مِثلُ” المركيز دي فونتاج”، و”الجرجسين”.

وقد تمخَّضت تلك الإرهاصاتُ عن كتابةِ الرِّوايةِ العَرَبيَّةِ التي تُعَدُّ المنعَطَفَ الأهَمَّ وحَجَرَ الأساسِ في رحلةِ كتابةِ الرِّوايةِ العَرَبيَّةِ الحديثةِ، وهي روايةُ “زينب” لمحمَّد حُسَين هيكل، التي ألَّفها بَينَ عامَيْ 1913- 1914م . ومن ذلك الوقتِ انتَشَرت الرِّواياتُ العَرَبيَّةُ وكَثُر كُتَّابُها.

وتتَّسِمُ الرِّوايةُ بعِدَّةِ خواصَّ:

1- الإيضاحُ: وهو أن يُوطِّئَ الكاتِبُ في صَدْرِ روايتِه للأحداثِ ويُمهِّدَ لها، فيَذكُرَ الظُّروفَ الَّتي دفَعَت بهذه الأحداثِ.

2- التَّسَلْسُلُ والاطِّرادُ: وهو الصِّفةُ العامَّةُ الَّتي تخضَعُ لها الرِّوايةُ، بحيثُ يَشعُرُ القارِئُ دائمًا أنَّه مَسوقٌ إلى غايةٍ يَترَقَّبُها، وكُلُّ فَصلٍ من الرِّواية يُعِدُّ لِما يتلوه من الفُصولِ، حتى تتوالى الأحداثُ وتنتهيَ إلى الغايةِ المقصودةِ.

3- الإيجازُ: وهو حَذْفُ حَشوِ الكَلامِ وما لا قيمةَ له في النَّصِّ، وذلك لا يَعْني الاختِصارَ وأن تكونَ الرِّوايةُ كالقِصَّةِ القَصيرةِ؛ إذ الإطنابُ والوَصْفُ ونحوُ ذلك ضَروريٌّ في الرِّوايةِ، وليس مِنَ الحَشْوِ.

4- الإمكانُ: وهو أن تكونَ الأحداثُ حَصَلت بالفِعْلِ أو لم تحصُلْ، ولكِنْ مِن المحتَمَلِ جِدًّا أن تحصُلَ لكُلِّ واحِدٍ مِنَ النَّاسِ، وهذا ما يُرَشِّحُها للقَبولِ عِندَ السَّامِعينَ والقارِئينَ.

5- التَّلْطيفُ: وهو أن يعتَمِدَ المؤلِّفُ على الانتِقالِ مِن حالٍ إلى حالٍ، فيأخُذُ بمجامِعِ القُلوبِ والعُقولِ؛ فإنَّ النَّفْسَ قد جُبِلَت على محبَّةِ التَّحَوُّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ.

6- أن تكونَ الرِّوايةُ ذاتَ مَغْزًى: غيرَ أنَّه لا بُدَّ في المَغْزى أن يكونَ مَفهومًا من الأحداثِ بشَكلٍ غَيرِ مُباشِرٍ، وإلَّا كانت الرِّوايةُ أشبَهَ ما تكونُ بالخُطْبةِ والعِظةِ.

7- مُراعاةُ تنَوُّعِ الأُسلوبِ باختِلافِ طَبيعةِ الشَّخْصيَّةِ: فلُغةُ الرِّجالِ تختَلِفُ عن لُغةِ النِّساءِ، وكُلُّ طَبقةٍ مِنَ المجتَمَعِ لها مُستوًى مِنَ الكَلامِ.

8- تنَوُّعُ الأُسلوبِ بَيْنَ السَّرْدِ والوَصْفِ والحِوارِ: فلا يجوزُ أن يعتَمِدَ على السَّرْدِ فحَسْبُ، ولا يجوزُ للمُؤَلِّفِ أن يُظهِرَ رأيَه في أمرٍ ما عن طَريقِ السَّرْدِ، وإنَّما له أن يُنطِقَ إحدى الشَّخْصيَّاتِ بما يُريدُ.

9- مِن مَظاهِرِ الأُسلوبِ القَصَصيِّ المبالغةُ أحيانًا للتَّنْبيهِ إلى النُّقَطِ الهامَّةِ، والمفاجأةُ وذلك حينَ تتحَقَّقُ النَّتائِجُ قَبْلَ أوانِها لطارئٍ مِن الطَّوارئِ، والرَّمْزُ حينما يَكْتَفي بأوَّلِ الحادِثةِ أو الإشارةِ إليها، ثمَّ يَترُكُ للخَيالِ مجالَ التَّصْويرِ والإتمامِ.

اتِّجاهاتُ الرِّوايةِ العَرَبيَّةِ الحديثةِ:

تعدَّدت المناحي والاتِّجاهاتُ التي حتَّمها التَّطَوُّرُ المادِّيُّ للمُجتَمَعاتِ على فنِّ الرِّوايةِ، فصارت الرِّواياتُ في مجمَلِها تدورُ حَولَ أربعةِ اتجاهاتٍ، هي:

1- الاتجاهُ الرُّومانسيُّ: وقد ظهر هذا الاتِّجاهُ تأثُّرًا بالآدابِ الأوروبيَّةِ، وإن كانت الرُّومانسيَّةُ قد جاءت متخفيَّةً في إزارِ الرِّواياتِ التَّاريخيَّةِ.

2- الاتِّجاهُ الواقِعيُّ: وقد تجلَّى في تلك الرِّواياتِ الصِّراعُ الطَّبَقيُّ بَينَ الأغنياءِ والفُقَراءِ. ومع أنَّ ذلك الاتجاهَ كان نابعًا من ظُروفِ البيئةِ العَرَبيَّةِ، إلَّا أنَّ للأدَبِ الغربيِّ أثرًا كبيرًا عليه.

3- رواياتُ اتِّجاهِ الوَعيِ: حيثُ يدخُلُ الرِّوائيُّون إلى أعماقِ النَّفسِ البَشَريَّةِ، استنادًا إلى اكتِشافاتِ عِلمِ النَّفسِ.

4- الاتِّجاهُ الوُجوديُّ: الذي يناقِشُ فيه الرِّوائيُّونَ أهمَّ المُشكِلاتِ والقضايا التي تواجِهُ الإنسانَ في كافَّةِ العُصورِ والأمكِنةِ .

خصائِصُ الأُسلوبِ القَصَصيِّ:

1- السُّهولةُ والوُضوحُ؛ لأنَّها تُقَدَّمُ إلى جُمهورِ النَّاسِ، فيَجِبُ أن يراعى فيها جميعُ الطَّبَقاتِ.

2- التنَوُّعُ والابتِعادُ عن الرَّتابةِ والجُمودِ، والتنَوُّعُ يكونُ وَفْقًا للمَوقِفِ والشَّخْصيَّاتِ، ولعَلَّ التَّنَوُّعَ الرَّئيسيَّ يكونُ بَيْنَ الوَصْفِ والحِوارِ والسَّرْدِ.

3- أناقةُ لُغةِ الوَصْفِ وإيحائِها وجاذبيَّتِها، ودِقَّةُ التَّصْويرِ، مع الحِرْصِ على الإلمامِ بالمَوصوفاتِ دونَ إملالٍ للقارِئِ، أو إعاقةٍ لأحداثِ القِصَّةِ.

4- يجِبُ أن تكونَ لُغةُ الحِوارِ حَيويَّةً قَصيرةَ العِباراتِ، مُشاكِلةً للواقِعِ، مع مُراعاةٍ لمُستوى الشَّخْصيَّةِ المُتحاورةِ وظُروفِها.

5- يجِبُ أن تكونَ لُغةُ السَّرْدِ واضِحةً صافيةً شفَّافةً.

الرَّابِعُ: فَنُّ المَسْرَحيَّةِ

المَسْرَحيَّةُ هي: قِصَّةٌ تمثيليَّةٌ يقومُ بعَرْضِها على خَشَبةِ المَسْرَحِ مُمَثِّلون يعتَمِدون في أداءِ أدوارِهم على الحِوارِ والحَرَكةِ، ضِمْنَ مُدَّةٍ محدودةٍ قد تبلُغُ ثلاثَ ساعاتٍ .

أو هي: التَّعْبيرُ عن صورةٍ مِن صُوَرِ الحياةِ تَعبيرًا واضِحًا بواسِطةِ ممثِّلينَ يُؤَدُّونَ أدوارَهم أمامَ جُمهورٍ محتَشِدٍ بحيثُ يكونُ هذا التَّمْثيلُ مُثيرًا. أو هي: قِطعةٌ مِن الحياةِ يَنقُلُها إلينا الأديبُ لِنَراها ممثَّلةً على المَسْرَحِ .

وتتَّفِقُ المَسْرَحيَّةُ مع القِصَّةِ في كثيرٍ مِنَ الأُمورِ، إلَّا أنَّ الفارِقَ الجوهريَّ بينهما هو اعتِمادُ المَسْرَحيَّةِ على الجانِبِ الحِواريِّ في عَرْضِ الأحداثِ، بينما يتوافَرُ في القِصَّةِ طُرُقٌ أخرى للعَرْضِ؛ منها السَّرْدُ وتيَّارُ الوَعْيِ (المونولوج)، وطريقةُ الرَّسائِلِ وغيرُها، كما أنَّ المؤَلِّفَ المَسْرَحيَّ يتقيَّدُ بطبيعةِ المَسْرَحِ وبناءِ المَسْرَحيَّةِ الفَنِّيِّ .

وتعتَمِدُ المَسْرَحيَّةُ على عِدَّةِ عَناصِرَ:

1- الموضوعُ: وهي تلك القِصَّةُ ومجموعةُ الأحداثِ الَّتي ترتَبِطُ ببَعْضِها ارتباطًا تَسَلْسُليًّا، سواءٌ كان ذلك الموضوعُ تاريخيًّا أم اجتماعيًّا أم فِكْريًّا، وينبغي التَّقَيُّدُ بذلك الموضوعِ، وعَدَمُ الخروجِ عنه إلى موضوعٍ آخَرَ، إلَّا أن يكونَ مَوضوعًا ثانويًّا له عَلاقةٌ بالموضوعِ الرَّئيسِ.

2- الشَّخْصيَّاتُ: وهم المُمَثِّلونَ الَّذين يؤدُّونَ الأدوارَ في المَسْرَحيَّةِ، ويظهَرُ مِن حوارِهم وشَكْلِهم وحديثِ الآخَرينَ عنهم صفاتُهم ومحاسِنُهم ومَساوِئُهم، والشَّخْصيَّاتُ في المَسْرَحيَّةِ قِسْمانِ: رئيسةٌ تُسلَّطُ عليها الأضواءُ، وتؤدِّي أهَمَّ الأدوارِ في المَسْرَحيَّةِ، وهم الأبطالُ. وشَخصيَّاتٌ ثانويَّةٌ تُساعِدُ في اكتِشافِ الشَّخْصيَّاتِ وحَلِّ العُقدةِ.

3- الحِوارُ: هو أداةُ العَرْضِ في المَسْرَحيَّةِ، ولولاه لَمَا أفادت المَسْرَحيَّةُ شيئًا، ولكانت كالعُروضِ الصَّامتةِ، كما أنَّ الحِوارَ يُفيدُ في بيانِ الشَّخْصيَّةِ ودواخِلِها وثقافَتِها، وتأثيرِ البيئةِ والعاداتِ والتقاليدِ عليها.

وللحِوارِ صُوَرٌ عديدةٌ؛ منها الحِوارُ بَيْنَ الشَّخْصيَّاتِ، ومنها الحِوارُ الدَّاخِليُّ حينَ يتكَلَّمُ المرءُ مع نَفْسِه.

4- المكانُ والزَّمانُ: تَقَعُ أحداثُ المَسْرَحيَّةِ ضِمْنَ مكانٍ وزمانٍ مُعَيَّنينِ؛ فالمكانُ هو خَشَبةُ المَسْرَحِ الَّتي يجري عليها الحِوارُ المَسْرَحيُّ. والزَّمانُ هو الحِقْبةُ الزَّمَنيَّةُ الَّتي تنقُلُنا إليها المَسْرَحيَّةُ وتدورُ أحداثُها فيها، سواءٌ كان ذلك في الماضي أو الحاضِرِ أو المُستقبَلِ، ويُراعي الكاتِبُ المدَّةَ الزَّمَنيَّةَ الَّتي تمثَّلُ فيها المَسْرَحيَّةُ، بحيثُ لا تزيدُ عن ثَلاثِ ساعاتٍ، كما هو حالُ أغلَبِ المَسْرَحيَّاتِ.

5- العُقْدةُ أو الحَبْكةُ المَسْرَحيَّةُ: هي سِلْسِلةٌ مِنَ الحوادِثِ تتركَّزُ على الأسبابِ والنَّتائِجِ الَّتي ترتَبِطُ فيها المَسْرَحيَّاتُ، وتأخُذُ العُقدةُ بالظُّهورِ في مَشاهِدِ المَسْرَحيَّةِ ويَصِلُ التَّأزُّمُ والتَّعْقيدُ فيها إلى نهايتِه، ثمَّ تُحَلُّ العُقدةُ بصُوَرٍ مختَلِفةٍ ترجِعُ إلى مهاراتِ الكاتِبِ المَسْرَحيِّ، ويجِبُ أن يكونَ حَلُّها مَنطِقيًّا، لا سيَّما في المَسْرَحيَّاتِ ذاتِ الطَّابَعِ الواقِعيِّ.

6- حرَكَةُ المَسْرَحيَّةِ: ينبغي أن تتسَلْسَلَ أحداثُ المَسْرَحيَّةِ بصورةٍ طَبيعيَّةٍ بَعيدةٍ عن التَّكلُّفِ؛ بحيث تتدَرَّجُ مُنذُ البَدءِ نَحوَ الأزمةِ حتى تبلُغَ أَوْجَها، ثمَّ تهبِطُ نَحْوَ الحَلِّ بصورةٍ طَبيعيَّةٍ قَريبةٍ مِن الواقِعِ، دونَ إسرافٍ في السُّرعةِ أو البُطءِ، مع مُلاحَظةِ وَحْدةِ العَمَلِ المَسْرَحيِّ وتجانُسِه وبُعْدِه عن التَّفاصيلِ غيرِ اللَّازِمةِ والاستِطْرادِ الَّذي يَعوقُ الحَرَكةَ.

7- المَغْزى أو فَلْسَفةُ الكاتِبِ: هي الفِكْرةُ الَّتي يُريدُ الكاتِبُ أن يُوصِلَها للجُمهورِ، والهَدَفُ الَّذي من أجْلِه أُلِّفَت المَسْرَحيَّةُ، وسواءٌ أعلَنَ ذلك أحَدُ الأشخاصِ في المَسْرَحيَّةِ بصورةٍ واضِحةٍ، أو استُشِفَّ ذلك من مَضْمونِ المَسْرَحيَّةِ .

نَشأةُ المَسْرَحيَّةِ:

لم يَعرِفِ العَرَبيُّ القَديمُ المَسْرَحيَّةَ، وإنَّما ابتكر ذلك الفَنَّ اليونانيُّونَ القُدَماءُ، وقد انقسَمَت عِندَهم المَسْرَحيَّةُ إلى قِسمَينِ: المَلْهاةُ (الكوميديا): وموضوعاتُها واقِعيَّةٌ تدورُ حَولَ مُشكِلاتِ الإنسانِ اليَوميَّةِ، ويَغلِبُ عليها الطَّابَعُ الاجتِماعيُّ والفُكاهةُ، وغالبًا ما تنتهي بالنِّهايةِ السَّعيدةِ. والمأساةُ (التراجيديا): تتحَدَّثُ حولَ معالي الأُمورِ والقَضايا الأخلاقيَّةِ، وتتمَيَّزُ بالجِدِّيَّةِ وحِدَّةِ الأفكارِ وصُعوبةِ الاختيارِ، وسُمُوِّ اللُّغةِ الَّتي تتحَدَّثُ بها الشَّخْصيَّاتُ، وتنتهي في الغالِبِ بفاجِعةٍ.

ولم يَظهَرِ الحِوارُ كَثيرًا في الأعمالِ الأدَبيَّةِ العَرَبيَّةِ، وإنَّما كانت بوادِرُ الاعتِمادِ عليه في المقاماتِ العبَّاسيَّةِ وما تلاها، كما أنَّ العَرَبَ في العَصْرِ العبَّاسيِّ حينَ همُّوا بتَرجمةِ العُلومِ والآدابِ الأجنَبيَّةِ إلى العَرَبيَّةِ لم يهتَمُّوا بترجمةِ المَسْرَحيَّاتِ الغَربيَّةِ؛ لاختِلافِها اختِلافًا كبيرًا مع الأدَبِ العَرَبيِّ المعتَمِدِ على الشِّعْرِ، كما أنَّ أغلَبَ تلك المَسْرَحيَّاتِ كانت تدورُ حَولَ الآلهةِ اليُونانيَّةِ ومَشاكِلِها ونوازِعِها، وهو أمرٌ يخالِفُ عَقيدةَ التَّوحيدِ في الإسلام.

على أنَّ العَرَبَ قد عَرَفوا قَبْلَ ذلك تمثيليَّاتِ “خيال الظِّلِّ” (الأراجوز)؛ حيثُ كَتَب ابنُ دانيال المِصريُّ عِدَّةَ رِواياتٍ تَمَّت تأديتُها في خَيالِ الظِّلِّ، منها روايةُ عَجيب وغَريب. وقد عَرَف الشِّيعةُ الفرس فنَّ المَسْرَحيَّاتِ قَبْلَ العَرَبِ؛ حيث كانت تؤدَّى بَعْضُ المَسْرَحيَّاتِ في إيرانَ؛ إحياءً لذِكْرى استِشْهادِ الحُسَينِ بنِ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنهما.

وقد كانت بداياتُ ظُهورِ المَسْرَحيَّاتِ في الأدَبِ العربيِّ في سوريا؛ ثم انتقلَتْ إلى مصر ثم إلى عددٍ من الدُّول العربيَّة.

وقد بدأ عَمَلُ المَسْرَحيَّاتِ اعتمادًا على التَّرْجمةِ، فكَثُرت ترجمةُ المَسْرَحيَّاتِ الغَرَبيَّةِ، وفشا المتَرْجِمون لها، ثمَّ ظَهَرت بَعْدَ ذلك المَسْرَحيَّاتُ العَرَبيَّةُ، ثمَّ اتَّسَعَت بَعدَ ذلك حَرَكاتُ التَّأليفِ والتَّرجمةِ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق