مقالات وبحوث
كن خير آخذ

روى البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
“كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها له، فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله ﷺ معلق بالشجرة، فأخذ السيف فقال: تخافني؟ فقال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله.
فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله ﷺ السيف فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ.
قال: تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلّى سبيله، فجاء إلى أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس.”
تشكّل هذه الحادثة نموذجًا دقيقًا للفكر الأخلاقي في الإسلام، تتجاوز حدود الموقف الحربي إلى مستوى القيم الإنسانية العليا.
عبارة الأعرابي «كُن خير آخذ»، التي نطق بها في لحظة خوفٍ ومفاصَلة بين الحياة والموت، تحوّلت إلى مفتاحٍ لفهم فلسفة العفو والقوة في الإسلام.
والعبارة في بنيتها البسيطة تتضمن مقارنةً ضمنية بين نوعين من “الأخذ”: أخذٍ يستند إلى القوة والانتقام، وأخذٍ يستند إلى الخُلُق وضبط النفس.
“خير” هنا ليست مجرد تفضيلٍ عددي، بل تفضيل قيمي، إذ تفترض وجود معيارٍ أخلاقي يحكم الفعل الإنساني حتى في لحظة السيطرة.
فكأن الأعرابي يقول: استخدم قوتك ضمن حدود الخير، لا ضمن فكرة الانتقام أو نزعة الغلبة.. ضمن دائرة الرحمة لا دائرة العدل!
الفعل النبوي بعد سماع العبارة يُبرز جوهر الرسالة المحمدية في بعدها الأخلاقي؛ فالنبي ﷺ تنازل عن حقّه كله دفعةً واح، ليحوّل الموقف كله إلى إعلانٍ عملي أن الأخلاق أسمى من القوة، وأن العفو ليس تراجعًا بل اختيارٌ واعٍ لحفظ كرامة الإنسان وعدالة الموقف.
هذا المبدأ ينسجم مع قوله تعالى: «ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» (فصلت: 34)، أي أن التفوق الحقيقي ليس في القدرة على الردّ، بل في الارتفاع الأخلاقي فوق دوافع الصراع.
ومن منظور فلسفي، تُعبّر “كُن خير آخذ” عن انتقالٍ من الأخلاق الغريزية إلى الأخلاق الواعية؛ فالإنسان في طبيعته يميل إلى ردّ العدوان بالعدوان، لكن الوعي الإنساني الراقي يضع معيارًا قيميًا فوق الفعل وردّ الفعل.
النبي ﷺ في هذا الموقف مارس ما يمكن أن يسمّيه الفلاسفة “سيادة الضمير على الغريزة”، وهي جوهر الأخلاق في الفلسفة الإسلامية: أن يكون الفعل نابعًا من مبدأ، لا من انفعال.
وبهذا، تُعيد الحادثة تعريف مفهوم “القوة”: فالقوي ليس من يقدر على الأخذ، بل من يملك نفسه عند الأخذ.
الدرس الإنساني العام
إن عبارة «كُن خير آخذ» ليست مجرد وصية عابرة في موقفٍ فردي، بل هي قاعدة سلوكٍ حضاري يمكن تطبيقها في مختلف ميادين الحياة: في السلطة، في القضاء، بين الزوج والزوجة وفي العلاقات الإنسانية.
فهي تلزم صاحب الحق أن يكون مسؤولًا عن كيفية ممارسته لحقه، لأن الأخلاق ليست في الامتناع فقط، بل في حسن الاستخدام.
ومن هنا يمكن القول إن هذه العبارة تختزل رؤية الإسلام للعدالة الأخلاقية:
- العدالة التي لا تُجرّد من الرحمة،
- والقوة التي لا تُنفصل عن الضمير،
- والإنسان الذي يُحاسب نفسه لا على ما أُخذ منه، بل على كيف أخذ.
لقد جسّد النبي ﷺ في موقفه من ذلك الرجل الذي خطط لاغتياله نموذجًا أخلاقيًا في غاية الرقي، يتجاوز حدود ردّ الفعل إلى تأسيس مبدأ أخلاقي مفاده: أن امتلاك القوة لا يبرر إساءة استخدامها، وأن الإنسان يُمتحن لا حين يُظلم، بل حين يُمكّن له.
عبارة “كن خير آخذ” تتحول في هذا السياق من نداء فردي إلى مبدأ إنساني عالمي، قوامه أن الأخلاق يجب أن تكون ضابطًا للسلوك، لا تابعًا للمصالح.
وفي واقع العالم اليوم، يتجلى التناقض الصارخ بين تلك العبارة وبين مايحدث ويراه العالم كله على الهواء مباشرةً :
لم يعد القوي يسأل نفسه “كيف آخُذ؟”، بل يُمعن في الأخذ بلا ضمير، ولا يسأل عن حدود أو أخلاق.
القوى الكبرى تنقضّ على الضعفاء بآلات الحرب والدعاية السياسية، تسفك الدم، وتدمر الأوطان، وتنهب الثروات، وتستبيح الإنسان ومقدراته باسم الأمن أو المصالح أو التفوق الحضاري.
لا شجرة ظلّ تُترك لطريد، ولا حتى فرصة للكلام يُمنح فيها الأضعف ليقول: “كن خير آخذ”.
لقد غابت المعايير الأخلاقية في كثير من الصراعات الحديثة، حيث يُمارس “الأخذ” لا بوصفه مسؤولية، بل بوصفه حقًا مفتوحًا للقوي؛ فيُنتزع كل شيء من الضعيف: وطنه، ذاكرته، إنسانيته، وكرامته، بل حتى صوته في السرد التاريخي.
هنا، تستعيد عبارة الأعرابي قيمتها من جديد، كمحك أخلاقي يُحاكم به العالم الحديث:
إن القوة، حين تنفصل عن الأخلاق، لا تُنتج أمنًا ولا استقرارًا، بل تؤسس لدوائر عنف متجددة، ومظالم لا تموت. أما حين تُضبط القوة بالرحمة والعدل، كما فعل النبي محمد ﷺ، فإنها تتحول إلى بناء حضاري يعلو لا على الأنقاض، بل على القيم.
إن التحدي الحقيقي ليس في امتلاك القوة، بل في أن تكون خير من يملكها.
