مقالات وبحوث

وطن يحتفي بمبدعيه

بقلم علي المسعودي

في كل أمةٍ لحظاتٌ تشعر فيها النخبة الثقافية أن تعب السنوات لم يذهب سدى، وأن هناك عينًا تراقب هذا الجهد بصمتٍ ومحبة، ثم تأتي اللحظة التي يتحول فيها هذا التعب إلى وسامٍ معنوي يضيء أعمار المبدعين.

ومن هنا جاء تكريم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد ال ثاني، ليؤكد أن الثقافة جزءٌ أصيل من رؤية الدولة ووجدانها ومستقبلها.

فحين يشمل التقدير الرسمي الشعراء والمفكرين والمبدعين أصحاب العطاء الطويل، فإن الوطن كله يعلن احترامه للكلمة والمعرفة والجمال.

إن هذا التكريم جاء رسالة عميقة المعنى تؤكد أن القيادة في قطر تستشعر قيمة المبدع، وتلمس أثره، وتدرك أن بناء الإنسان يحمل أهمية كبيرة في مسيرة بناء الوطن.

وما يلفت النظر أن اهتمام سمو الأمير بالمبدعين نهج ممتد منذ سنوات طويلة؛ إذ اعتاد سموه أن يحتفي بالمتفوقين والمتميزين من طلبة المدارس الثانوية، ويستقبلهم ويمنحهم الجوائز والدعم المعنوي، مع رعاية المبادرات التعليمية والإبداعية التي تصنع جيلاً جديدًا يؤمن بالعلم والثقافة.

ثم تمتد هذه الرعاية إلى طلبة الجامعات، وصولاً إلى تكريم الرموز الكبيرة التي أفنت أعمارها في خدمة الفكر والأدب والعلم. وكأن الدولة تتابع رحلة الإبداع منذ بذرتها الأولى حتى اكتمال شجرتها الوارفة.

وحين يُكرَّم شاعر بحجم حمد بن محسن النعيمي، فإن التكريم يتجاوز الشخص إلى تاريخ الشعر الشعبي في قطر والجزيرة العربية كلها. فهذا الرجل هو سيرةٌ من الطيبة والوفاء والصدق الشعبي، وصوتٌ حمل ذاكرة المكان ولهجة الناس وهمومهم وأفراحهم. ومن خلال هذا الاحتفاء، يشعر الشعر نفسه أنه ما زال محفوظ المكانة في وجدان الدولة والمجتمع، وأن القصيدة التي خرجت من قلب الصحراء ما تزال قادرة على أن تجد مقعدها المستحق في قلب الوطن.

ولا يمكن الحديث عن هذا المشهد الثقافي المتوهج دون الإشارة إلى الجهد الكبير الذي يقوم به وزير الثقافة سعادة الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني، الذي استطاع أن يمنح الحراك الثقافي في قطر روحًا متجددة وحيوية لافتة. فمن يتابع مواسم الندوات، والأنشطة الفكرية، والمعارض، والمبادرات المسرحية، والبرامج الشبابية، يدرك أن هناك رؤية حقيقية تعمل على جمع شمل الكلمة، وتحفيز الأفكار، وفتح الأبواب أمام الطاقات الجديدة.

وقد أثبت الشيخ عبد الرحمن بن حمد أنه يدير المشهد الثقافي بروح المثقف المحب للأدب والعلم والفن، ولذلك جاءت النجاحات متلاحقة في معارض الكتب، والملتقيات الفكرية، والمواسم الثقافية، لتؤكد أن الثقافة في قطر مشروع دولة متكامل.

إن قطر اليوم تقدم نموذجًا عربيًا يؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن المعرفة هي الثروة الأعمق أثرًا والأبقى حضورًا. ولذلك تبدو هذه الدولة الفتية، بما تملكه من رؤية وطموح، دولة علم وثقافة وعطاء وفكر، تعرف جيدًا أن الأمم تُقاس بما تبنيه في روح الإنسان وعقله ووجدانه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق