مقالات وبحوث

الفن ومسؤوليته الأخلاقية في زمن التزييف

بقلم: رئيس التحرير 

الفن هو التعبير الإنساني الأرقى عن الوعي والوجدان، وهو اللغة التي تتجاوز الحدود والثقافات لتصل إلى جوهر الإنسان.

الفن ليس مجرد صورة أو مشهد أو أداء، بل هو انعكاس لعقل الإنسان وضميره، ووسيلة لفهم العالم وإعادة تشكيله، ومنذ نشأته، لم يكن الفن منفصلًا عن قضايا الإنسان، بل كان دائمًا مرتبطًا بالحق والعدل والهوية والمعاناة والأمل والتاريخ.

ومن هنا، فإن اختزال الفن في كونه ترفًا أو وسيلة للترفيه فقط، يُعد تقزيمًا لدوره الحقيقي، فالفن في جوهره ليس مجرد صناعة للنجومية أو تحقيقًا للإيرادات، بل هو أداة وعي، ومرآة ضمير، وصوت من لا صوت لهم، وحين يفقد الفن هذه الوظيفة، ويتحوّل إلى مجرد أداة دعائية تُستخدم لتجميل السياسات، أو تبرير الظلم، أو تمرير الروايات الرسمية، وبذلك يفقد قيمته الحقيقية، ويتحوّل إلى صناعة فارغة مهما بلغت جودته التقنية أو جماهيريته.

الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد الجوائز، ولا بحجم الإيرادات، بل بقدرته على الانتصار للإنسان، وكشف الحقيقة، ومواجهة الزيف، وهنا يبرز نموذج مارلون براندو (Marlon Brando) (1924–2004) كأحد أهم الأمثلة التاريخية على هذا الموقف الأخلاقي.

في عام 1973، فاز براندو بجائزة الأوسكار عن دوره في فيلم العراب “The Godfather”، وهو أحد أعظم الأدوار في تاريخ السينما، لكن بدلًا من أن يصعد إلى المسرح ويحتفي بالجائزة، رفضها وأرسل الناشطة الأمريكية من السكان الأصليين ساشين ليتلفيذر (Sacheen Littlefeather) (1946–2022) لتعلن رفضه، احتجاجًا على الطريقة التي تُصوّر بها هوليوود السكان الأصليين، وعلى ما يتعرضون له من تهميش وظلم في الواقع.

هذا الموقف لم يكن مجرد لفتة رمزية، بل كان رسالة واضحة: أن الفنان لا ينبغي أن يكون تابعًا للمنظومة مهما كانت سيئة، بل ناقدًا لها حين تنحرف، وأن الشهرة ليست غاية، بل وسيلة يمكن توظيفها للدفاع عن القضايا العادلة.

ورغم أن موقفه قوبل بانتقادات واسعة، واتُّهم بتسييس الفن، إلا أن ما فعله أعاد تعريف دور الفنان: هل هو مجرد مؤدٍ ضمن صناعة، أم صاحب موقف ومسؤولية؟

إن أخطر ما يمكن أن يصل إليه الفن، هو أن يصبح أداة في يد السلطة، يُستخدم لتزييف الوعي وتلميع الأخطاء وصناعة سرديات تخدم مصالح ضيقة على حساب الحقيقة.

وفي المقابل، فإن أعظم ما يمكن أن يقدمه الفن، هو أن يكون منحازًا للإنسان، كاشفًا للواقع، ومحرّكًا للضمير.

لذلك، فإن الفن إما أن يكون في صف الحقيقة.. أو في صف من يحاول إخفاءها، ولا توجد منطقة حياد حقيقية في القضايا الإنسانية الكبرى.

ومازال السؤال الأهم موجهاً للجميع:

من يملك الفن؟ الفنان أم السلطة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى