مقالات وبحوث

بَيْنَ الْكَرَامَةِ وَالْمُرُوءَةِ حِينَ تَخْتَبِرُهُمَا الذَّاكِرَةُ

بقلم: طلال بن سليمان العبيد

فِي مَسِيرَةِ الإِنْسَانِ تَمُرُّ عَلَيْهِ أَحْدَاثٌ كَثِيرَةٌ، بَعْضُهَا يَمْضِي مَعَ الزَّمَنِ حَتَّى يَضْمَحِلَّ أَثَرُهُ، وَبَعْضُهَا يَبْقَى فِي الذَّاكِرَةِ شَاهِدًا عَلَى مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْحَيَاةِ.

وَلَيْسَتِ الْمَوَاقِفُ الَّتِي تُخَلِّدُهَا الذَّاكِرَةُ هِيَ تِلْكَ الَّتِي يَعْلُو فِيهَا الصَّوْتُ أَوْ تَشْتَعِلُ فِيهَا الْخُصُومَاتُ فَحَسْبُ، بَلْ كَثِيرًا مَا تَكُونُ فِي اللَّحْظَاتِ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا الإِنْسَانُ بَيْنَ مَا يَحْمِلُهُ قَلْبُهُ وَمَا تُمْلِيهِ عَلَيْهِ مُرُوءَتُهُ.

وَقَدْ مَرَّ بِي فِي سِنِيِّ حَيَاتِي مَوْقِفٌ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، مَوْقِفٌ جَمَعَ بَيْنَ الْغَضَبِ لِلْكَرَامَةِ، وَبَيْنَ الاِنْتِصَارِ لِلْمُرُوءَةِ.

فَقَدْ تَطَاوَلَ رَجُلَانِ يَوْمًا عَلَى وَالِدِي، وَكَانَ مَا بَدَرَ مِنْهُمَا أَمْرًا لَا يَخِفُّ وَقْعُهُ فِي نَفْسِ مَنْ تَرَبَّى عَلَى تَعْظِيمِ الْوَالِدَيْنِ وَحِفْظِ مَقَامِهِمَا.

فَاشْتَعَلَ فِي صَدْرِي غَضَبٌ لِكَرَامَةِ أَبِي، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ التَّعَدِّي مَا لَا يَجُوزُ السُّكُوتُ عَنْهُ، فَحَمَلْتُ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ مَا يَحْمِلُهُ الرَّجُلُ إِذَا مُسَّتْ كَرَامَةُ وَالِدِهِ.

 

غَيْرَ أَنَّ الأَيَّامَ كَمَا تَجْرِي بِالْخِصَامِ، تَجْرِي أَيْضًا بِالِاعْتِذَارِ.

 

فَقَدْ جَاءَ الرَّجُلَانِ بَعْدَ حِينٍ إِلَى وَالِدِي مُعْتَذِرَيْنِ عَمَّا بَدَرَ مِنْهُمَا، فَقَبِلَ وَالِدِي اعْتِذَارَهُمَا بِخُلُقٍ يَلِيقُ بِمَقَامِهِ وَبِمَا عُرِفَ عَنْهُ مِنْ سَعَةِ الصَّدْرِ وَحِلْمِ الرِّجَالِ.

وَاحْتِرَامًا لِقَرَارِ وَالِدِي قَبِلْتُ مَا قَبِلَ، غَيْرَ أَنَّ النُّفُوسَ لَيْسَتْ كَالْكَلِمَاتِ؛ فَبَعْضُ الْجِرَاحِ يَهْدَأُ ظَاهِرُهَا، وَيَبْقَى أَثَرُهَا فِي أَعْمَاقِ الْقَلْبِ.

وَمَضَتِ الأَعْوَامُ.

حَتَّى جَاءَ يَوْمٌ وَقَعَ فِيهِ أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فِي ضِيقٍ شَدِيدٍ، وَأَحَاطَتْ بِهِ ظُرُوفٌ قَاسِيَةٌ، فَلَمْ يَجِدْ بَابًا يَلْجَأُ إِلَيْهِ إِلَّا بَابِي.

وَهُنَا وَقَفْتُ أَمَامَ سُؤَالٍ لَا يَمُرُّ بِهِ الرِّجَالُ إِلَّا قَلِيلًا:

أَأَتْرُكُهُ لِمَا فَعَلَ قَدِيمًا؟

أَمْ أُعِينُهُ لِمَا تَرَبَّيْتُ عَلَيْهِ مِنْ خُلُقٍ وَمُرُوءَةٍ؟

وَبَيْنَ مَا حَمَلَهُ الْقَلْبُ، وَمَا عَلَّمَتْنِي التَّرْبِيَةُ، اخْتَرْتُ أَنْ أَنْتَصِرَ لِلْأَصْلِ الَّذِي تَرَبَّيْتُ عَلَيْهِ.

فَمَدَدْتُ لَهُ يَدَ الْعَوْنِ، وَوَقَفْتُ مَعَهُ حَتَّى انْفَرَجَ ضِيقُهُ وَخَرَجَ مِنْ مَأْزِقِهِ.

فَلَمَّا جَاءَ يَشْكُرُنِي عَلَى ذَلِكَ قُلْتُ لَهُ كَلِمَةً لَمْ تَكُنْ وَلِيدَةَ لَحْظَةٍ، بَلْ خُلَاصَةَ تَجْرِبَةٍ:

إِنَّ مَا فَعَلْتُهُ لَمْ يَكُنْ حُبًّا فِيكَ، وَلَا نِسْيَانًا لِمَا كَانَ مِنْكَ، وَلَكِنَّنِي فَعَلْتُهُ لِأَنَّ تَرْبِيَتِي وَأَصْلِي لَا يَسْمَحَانِ لِي أَنْ أَتْرُكَ إِنْسَانًا فِي ضِيقٍ وَأَنَا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أُعِينَ.

وَعِنْدَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ تَذَكَّرْتُ مَعْنًى قَدِيمًا كَانَ الْعَرَبُ يُعَظِّمُونَهُ وَيَعُدُّونَهُ مِنْ شِيَمِ الرِّجَالِ.

الْمُرُوءَةُ فِي تَارِيخِ الْعَرَبِ

كَانَ الْعَرَبُ يَرَوْنَ أَنَّ الرَّجُلَ الْكَرِيمَ لَا يَتْرُكُ الْمَعْرُوفَ لِخُصُومَةٍ، بَلْ يَفْعَلُهُ لِأَنَّهُ مِنْ خُلُقِهِ.

وَقَدْ كَانَ أَشْهَرُ مَنْ جَسَّدَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ كُرَمَاءِ الْعَرَبِ

حاتم الطائي،

الَّذِي ضَرَبَتِ الْعَرَبُ بِكَرَمِهِ الْأَمْثَالَ، وَذَكَرَ أَخْبَارَهُ أَبُو الْفَرَجِ الأَصْفَهَانِيُّ فِي كِتَابِ الأَغَانِي، وَابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فِي الْعِقْدِ الْفَرِيد.

وَمِنْ فُرْسَانِ الْعَرَبِ الَّذِينَ جَسَّدُوا مَعْنَى الْمُرُوءَةِ

عنترة بن شداد،

الَّذِي رُوِيَ فِي أَخْبَارِهِ أَنَّهُ أَعَانَ رَجُلًا كَانَ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ، ثُمَّ قَالَ:

«مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ حُبًّا فِيهِ، وَلَكِنَّ الْمُرُوءَةَ تَأْبَى أَنْ أَتْرُكَ رَجُلًا أَقْدِرُ عَلَى نُصْرَتِهِ».

وَقَدْ ذُكِرَتْ أَخْبَارُهُ فِي كِتَابِ الأَغَانِي وَفِي شُرُوحِ دِيوَانِ عَنْتَرَة.

وَمِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ عُرِفُوا بِعِزَّةِ النَّفْسِ وَسُمُوِّ الْخُلُقِ

الزبير بن العوام،

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَاب جُمْلَةً مِنْ أَخْبَارِ مُرُوءَتِهِ وَكَرَمِهِ.

خُلَاصَةُ التَّجْرِبَةِ

وَمَعَ مَا مَرَّ بِي مِنْ هَذَا الْمَوْقِفِ أَدْرَكْتُ أَنَّ الْكَرَامَةَ لَا تَعْنِي أَنْ يَنْسَى الإِنْسَانُ مَا كَانَ،

وَلَكِنَّهَا تَعْنِي أَنْ لَا يَنْزِلَ عَنْ أَخْلَاقِهِ.

فَقَدْ يَبْقَى فِي الْقَلْبِ أَثَرٌ مِنَ الْإِسَاءَةِ،

وَلَكِنَّ الْأَصْلَ يَبْقَى فِي الْفِعْلِ.

وَلَعَلَّ الْعَرَبَ لَخَّصُوا هَذَا الْمَعْنَى فِي حِكْمَةٍ خَالِدَةٍ:

«يَفْعَلُ الْكَرِيمُ الْمَعْرُوفَ لِأَنَّهُ أَهْلُهُ، لَا لِأَنَّ النَّاسَ أَهْلُهُ».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق