مقالات وبحوث
يا ويل الخال من رمح البناخي

ليست هذه العبارة مجرد مثل بدوي قيل في لحظة انفعال، بل خلاصة تجربة تاريخية طويلة، خرجت من عمق الصحراء لتقول ما تعجز عنه الخطب المطوّلة: الخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من العدو المعلن، بل من حيث نظن أن (الأمان هنا).
(يا ويل الخال من رمح البناخي) التي أطلقها عليان بن بقار (أحد شيوخ قبيلة شمر) في حادثة معروفة ومؤلمة.. يتضاعف فيها الألم عندما.. يتجاور قتل الرمح مع قتل قرابة الدم!
فالخال، في الوعي العربي، رمز للعطف والاطمئنان، والرمح رمز للقتل المباغت الذي لا يُخطئ. وحين يجتمعان في جملة واحدة، فإن الحكمة لا تتحدث عن واقعة بعينها، بل عن قانون ثابت في الصراعات: الطعنة الأخطر هي التي تأتي من الدائرة الأقرب، حيث تذهب الحراسة وتخفّ الدروع.
التاريخ العربي ، في جوهره، تاريخ تحالفات بقدر ما هو تاريخ معارك. ولم تكن الهزائم الكبرى نتيجة نقص في الشجاعة أو قلة في الرجال، بل نتيجة خطأ في بناء الولاءات ومنابع الثقة، وسوء تقدير لمن ينصر ومن يؤازر ومن يصمد إلى نهاية الصراع. فالسؤال الحاسم لم يكن يومًا: من معنا؟ بل: على أي أساس هو معنا؟
هل التحالف يُبنى على الدم؟ على القرابة؟ على الجوار؟ على اللغة؟ أم يُبنى على رؤية مشتركة، وتعريف واحد للعدو، وقناعة راسخة بالقضية؟ هنا تحديدًا يفترق طريق النجاة مع طريق الغدر.
لقد علّمنا التاريخ أن قرابة الدم، إذا انفصلت عن الموقف، تتحول من ضمانة إلى عبء. وأقسى الشواهد على ذلك ما عرفه صدر الإسلام، حين كان العداء الأشد من أقرب الأقربين لنبينا الكريم عليه السلام، بينما جاءت النصرة من رجال قد لا يجمعهم نسب ولا أرض، بل جمعهم إيمان عميق بالحق. عندها تغيّر معنى القرب، وانتقل الولاء من الدم إلى الفكرة، ومن العصبية إلى البصيرة.
ومنذ ذلك التحول، ظل التاريخ العربي يعيد السؤال ذاته بأشكال مختلفة: من ينصرك حقًا؟ ومن يقتلك؟ العدو الواضح تستعد له، أما الحليف المختلف في الجوهر فهو الخطر الحقيقي. ذلك أن السلاح يقتل مرتين حين تحمله يد لا تؤمن بما تدافع عنه. والمال يخون حين يُمنح لمن لا يشترك معك في تعريف هدف المعركة.
وحين قيل: «لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه»، لم يكن في القول دعوة للعزلة، بل هو تحذير من وهم الكثرة ووهم القرب المزيف. وحين نبّه ابن خلدون إلى أن المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب، كان يضع إصبعه على أخطر أنواع التحالف: التحالف مع من لم يحسم موقعه الفكري بعد.
في زمن تتبدل فيه التحالفات بسرعة، وتتغير فيه وجوه الأعداء والأصدقاء كل صباح، وتُوزَّع فيه الأسلحة المادية والمعنوية بلا حساب، تعود هذه الحكمة القديمة لتفرض نفسها بصرامة: احذر ممن يحمل سلاحك ولا يحمل قضيتك، واحذر ممن يقف معك اضطرارًا لا اقتناعًا. فالرمح، في الغالب، لا يأتي من بعيد، بل ممن جعلته يحرس ظهرك..!
(والمعنى في بطن الشاعر..)
..
لمراسلة الكاتب
almasoudi20@yahoo.com
لمراسلة منصة أبواب:
upwaab5@gmail.com
..
