
قبل أن يُسدل عامٌ خمسةٌ وعشرون الستار بساعة واحدة تقريبا، لتفتح سنةٌ جديدة بابها على المجهول، كنتُ على اتصالٍ هاتفي مع الدكتورة سعاد الصباح، في رحلتها الشتوية إلى مجيف، بصحبةالأحفاد والأبناء. جاء صوتها من بلاد الثلج دافئًا، ذلك الدفء الذي أخذت منه كثيرًا من طاقتي، وكان ملاذا لي على امتداد العمر. كم أعطتني من حنانٍ ومودّة، وكم كانت أمًّا لطفلٍ فقد أمّه في بدايات العمر، فوجد في صوتها واهتمامها وصدق قربها تعويضًا كريمًا من الله.
مثل كثيرين من جيلي، تعلّمت شعر سعاد الصباح في المدارس، ونشأت على محبتها، ونسجت في خيالنا صورة تلك الأميرة الأنيقة: الشاعرةً، المثقفةً، الحاضرةً بقوة الكلمة ورهافة الحس.
ثم كان من حسن حظي—ومن أقدار الله الجميلة التي أعدّها —أن اقتربت من سعاد الصباح، وطرقت بابها للمرة الأولى عام 1987، وعرفت عن نفسي متابعًا ومحبًا، وحاولت إخفاء حب جارف حملته معي.. لكنها بذكائها الذي تفضحه عينيها الواسعتين ووجهها البشوش بابتسامة تكاد تظهر ولاتظهر استقبلت مشاعري وحزني ووحدتي بصدرٍ رحب وقلبٍ كبير، وآوتني إنسانةً قبل أن تحتضن موهبة.
منذ ذلك العام، صرتُ المحرّر الثقافي الذي يتابع مسيرتها أولًا بأول: في أمسياتها، وفي نتاجاتها الأدبية، في حضورها العام والخاص. لم يمرّ ديوانٌ إلا وكتبتُ عنه، ولم تعلن عن قصيدة جديدة إلا استقبلتها وابتهجت بها، ولم تمرّ أمسيةٌ إلا حضرتها؛ وإن فاتني بعض الحضور خارج البلاد، تابعتُه صحفيًا بكل ما أستطيع. كانت الكتابة عنها شغفًا لا واجبًا، ووفاءً لا مهنة.
هذه سعاد الصباح.. القوية الرقيقة.. الصلبة اللّينة، المتفائلة الحزينة دوما.. التي لاتغتاب احدا مهما أساء، بل تكتفي بإغلاق الباب بينها وبينه وتمسح اسمه من ذاكرتها، لا تتحدث عن أسرار كثيرة تعرفها، ولاتذكر أي مساعدة فعلتها لإنسان.. وإن ذكرت أمامها، قالت: لا أذكر.
ثم جاءت مرحلة إدارة دار سعاد الصباح، لأكتب فيها أجمل أعوام عمري. الاقتراب اليومي، والعمل المشترك، حيث المشاريع الثقافية تُصنع على نار هادية. ودخلت عالم سعاد الصباح الإنسانة: القلب الكبير، التي لم تغضب يومًا، وإن عاتبت او حتى غضبت لم تخرج عن أدبها الرفيع. تكتب لي بخطها الرقيق وقلمها المعروف على ظرف الرسالة: «الأستاذ علي المسعودي—حفظه الله»، لن تترفع رغم مقامها الرفيع عن هذا التسجيع والاحترام و(رفع المعنويات)،
وكانت دائمًا “تُبيّض وجهي”، وتقدّمني أمام العالم، بكل الالقاب الجميلة، قالت للشيخ صباح الاحمد يوما وهي تقدمني له: (هذا ابني علي).
تسعٌ وثلاثون عامًا مرّت، لم تكن مجرّد زمنٍ يُعدّ، بل تجربة حياة. فيها تعلمتُ أن الكلمة مسؤولية، وأن اللطف قوة، وأن الثقافة عملٌ يوميٌّ يحتاج إلى يدٍ تشتغل، وعقلٍ متوقّد، وحلمٍ لا يشيخ. وها هي سعاد الصباح تطرق هذا العام الجديد بروحٍ مرحة، وقلبٍ كبير، ويدٍ عاملة، وعقلٍ يقظ، وحلمٍ كبير بإنتاجٍ ثقافيٍّ عظيم.
كل عامٍ وهي بخير، وكل عامٍ ونحن نتعلّم منها معنى أن تكون الثقافة فعل محبةٍ مستمر، وأن يكون العطاء أسلوب حياة.
..
لمراسلة الكاتب
almasoudi20@yahoo.com
لمراسلة منصة أبواب:
upwaab5@gmail.com
..
