
مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية ليست مجرّد جهة إنتاج، بل صفحةٌ راسخة من الذاكرة الثقافية الخليجية، وركنٌ من أركان التربية الوجدانية والمعرفية لجيلٍ كامل نشأ وهو يرى الشاشة بوصفها نافذة معرفة لا أداة تشويش.
مؤسسة ارتبط اسمها، في الوعي الجمعي، بأعمالٍ لم تكن ترفيهًا عابرًا، بل مشروعًا ثقافيًا وتربويًا واعيًا، صاغ وجدان الطفل والأسرة، ونسج لغةً مشتركة بين أبناء الخليج.
حين نذكر هذه المؤسسة، يتقدّم إلى الذاكرة فورًا (افتح ياسمسم) ذلك البرنامج الذي لم يكن مجرد نسخة عربية من تجربة عالمية، بل عملًا مُعاد الصياغة بروح الخليج وثقافته ولغته وقيمه.
“افتح يا سمسم” كان هوية طفولتنا، علّمنا السؤال، ودرّبنا على الحوار، ورسّخ في وعينا البدايات الأولى للانتماء واللغة والفضول النبيل.. والضحكة الصافية والحضور الأسري الدافئ
ولم يتوقف أثر المؤسسة عند هذا العمل الأيقوني؛ فقد قدّمت على امتداد مسيرتها مجموعة من البرامج والمسلسلات التربوية والاجتماعية التي لا تزال حاضرة في الذاكرة، من بينها برنامج (سلامتك) التوعوي الذي كان يقدّم الثقافة الصحية بأسلوب مبسّط، قريب من الأسرة، جامعًا بين المعلومة والمتعة. كما أنتجت المؤسسة أعمالًا درامية وثقافية ووثائقية، سعت إلى تكريس مفهوم “الإنتاج الخليجي المشترك” بوصفه فعل تعاون، لا مجرد عنوان إداري.
قيمة هذه المؤسسة لا تكمن فقط في قائمة أعمالها، بل في فلسفتها: أن الإعلام مسؤولية، وأن الطفل ليس وسيلة استهلاكية، بل مشروع إنسان. ولهذا كانت أعمالها جامعةً للخليج، تتجاوز اللهجات الضيقة، وتبحث عن المشترك الإنساني والثقافي، في زمنٍ كانت فيه الشاشة وسيلة بناء، لا ساحة صخب.
اليوم، وفي ظل الظروف الحرجة التي تمر بها المنطقة يلوح في الأفق أملٌ حقيقي بمرحلة جديدة خاصة مع وجود سعادة الشيخ مبارك فهد الجابر الاحمد الصباح على رأس إدارة المؤسسة،. هو قيادي شاب، ينتمي إلى من نجلّه ونحترم تاريخه ودوره الوطني، ويحمل في حضوره وفكره ملامح جيلٍ يفهم تحديات العصر دون أن يتنازل عن الثوابت.
نشاطه، وانفتاحه، ومدّه اليد لكل تعاون ثقافي جاد، مؤشرات تبعث على التفاؤل بأن المؤسسة مقبلة على استعادة عافيتها وحضورها المشرق.
فقد بدأت المؤسسة في مرحلة تحقيق حضور رقمي معاصر من خلال شراكات مثل:
تعاون مع منصة Platform 51 الكويتية لبث إنتاجات قديمة وجديدة.
إعلان إنتاج محتوى خليجي جديد يُعزز الهوية والقيم ويلائم المنصات الرقمية الحديثة.
وهذا يدل على أن المؤسسة تسعى لاستعادة حضورها ومكانتها وسط تحديات وسائل التواصل الاجتماعي ومحتواها الموجه للأطفال.
نحن اليوم في لحظة فارقة؛ فوسائل التواصل الاجتماعي تخطف أطفالنا، وتعيد تشكيل ذائقتهم وقيمهم في كثير من الأحيان بعيدًا عن سياقنا الثقافي والاجتماعي. يعيش هذا الجيل حالة من الاغتراب الناعم، حيث تتقدّم السرعة على المعنى، والصورة على الفكرة، والتقليد على الهوية.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى مؤسسة مثل المؤسسة الخليجية للإنتاج البرامجي المشترك: مؤسسة قادرة على تقديم محتوى أصيل، جذاب، معاصر في شكله، عميق في مضمونه، منتمٍ إلى بيئته، لا مستنسخٍ من منصّات عابرة للهوية.
إن استعادة دور هذه المؤسسة ليست حنينًا إلى الماضي، بل استثمارًا في المستقبل. هي دعوة لإعادة الاعتبار للإعلام التربوي والثقافي، وللعمل المشترك بوصفه قيمة خليجية قبل أن يكون صيغة إنتاج.
ومع قيادة الشيخ فهد مبارك جابر الأحمد الصباح، تتعزّز الثقة بأن هذه المؤسسة قادرة على أن تعود لاعبًا أساسيًا في المشهد الثقافي والإعلامي، وأن تقدّم أعمالًا تواكب العصر دون أن تفقد روحها.
نحن على ثقة بأن القادم أجمل، وأن المؤسسة الخليجية للإنتاج البرامجي المشترك قادرة—إذا ما أُتيح لها الدعم والرؤية—أن تربي جيلًا جديدًا، كما ربّت أجيالًا سابقة، على المعرفة، واللغة، والانتماء، في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى إعلامٍ يُشبهنا… ويصنع أبناءنا لا يسرقهم.
