
إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ رُؤْيَتِهِ. وَلِأَنَّ لِاسْمِهِ البَصِيرِ سُبْحَانَهُ وَتَعالى مَكَانَةً عَظِيْمَةً، أَوْرَدَهُ في كِتَابِهِ الكَرِيمِ اثْنَتَيْنِ وأَرْبَعِينَ مَرَّةً، مِنْها قَوْلُهُ عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. وقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾.
وفي معنى اسمع البصير، قَالَ ابنُ جَرِيرٍ: «يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، واللهُ ذو إبْصَارٍ بِمَا يَعْمَلُونَ، لا يَخْفَى عَلَيهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِهم، بَلْ هُوَ بِجَمِيعِها مُحِيطٌ، ولَهَا حَافِظٌ ذَاكِرٌ، حَتَّى يُذِيقَهم بِهَا العِقَابَ جَزَاءَهَا.
وأَصْلُ بَصِيرٍ: مُبْصِرٌ، مِنْ قَوْلِ القَائِلِ: أَبْصَرْتُ فَأَنا مُبْصِرٌ، وَلَكِنْ صُرِفَ إلى فَعِيلٍ، كَمَا صُرِفَ مُسْمِعٌ إلى سَمِيعٍ، وعَذَابٌ مُؤْلِمٌ إلى أَلِيمٍ، ومُبْدِعُ السَّمَاواتِ إلى بَدِيعٍ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ».
وقَالَ الخَطَّابِيُّ: «البَصِيرُ هو المُبْصِرُ، ويُقَالُ: البَصِيرُ: العَالِمُ بِخَفِّيَاتِ الأُمُورِ». وفي ذلك، قَالَ ابنُ كَثيرٍ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أَيْ: هو عَلِيمٌ بِمَنْ يستحِقُّ الهدايةَ ممن يستحقُّ الضَّلالةَ، وهو الذي لا يُسألُ عما يفعلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، ومَا ذَلِكَ إلا لِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ».
وقَالَ السَّعْدِيُّ: «(البَصِيرُ): الذِي يُبْصِرُ كُلَّ شَيْءٍ وإنْ رَقَّ وصَغُرَ، فَيُبْصِرُ دَبيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ في اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ، ويُبْصِرُ مَا تَحْتَ الأَرْضِينَ السَّبْعِ كَمَا يُبْصِرُ مَا فَوْقَ السَّمَاواتِ السَّبْعِ، وأَيْضًا سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الجَزَاءَ بِحَسَبِ حِكْمَتِهِ، والمَعْنَى الأَخِيرُ يَرْجِعُ إلى الحِكْمَةِ».
إنّ التفكر في اسم الله البصير له مردود إيماني عظيم علينا؛ فهو البَصِيرُ الذي يعلم ما نبصر وما لا نبصر، ودقّ الأشياء وجليلها، في النور والظلام هو كامل الإبصار، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ﴾، فمن وصل بعلم الله وفضله إلى هذا الإدراك، نزّه الله عن أن يكون له جارحة أو أداة، وأثبت له جلّ شأنُه البَصر صفة ذات، يرى العظيم الضئيل، وهو القائل جلّ وعلا: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُوْنَ وَمَا لَا تُبْصِرُوْنَ﴾، وهذا الذي يقع خارج نطاق شِباكنا وإدراكنا قابع تحت عين العناية والرعاية، وهو الذي متّع بعض خلائقه ببصيص من طرائقه، فقد خلق الجان يرى الإنسان، وهو عنه محجوب في طي الغيوب.
وأخيرًا، إنّ التفكر في إحاطة الله البصرية بنا جانبٌ مهمّ من جوانب إعجازه سبحانه وتعالى في القدرة والخلق، وهذا يدعونا إلى الانضباط وفق ميزان الله، فنحذر من أن يبصرنا حيث نهانا، فبذلك الحذر نحقق جانبًا من استقامتنا، ومن خلاله نقوّم اعوجاج نفوسنا، ونعصم أنفسنا من الوقوع في ما لا يرضيه سبحانه وتعالى عنّا.
فما أعظم أن نستحضر اسم الله البصير في كل أفعالنا وحركاتنا، وأن نتقيه سبحانه بما يليق بقدرته وعظمته وجلاله.(نقلاً عن جريدة العرب القطرية)
