مقالات وبحوث

أساطيرنا.. وأساطير الآخرين..

بقلم: علي المسعودي

خلال معرض الكتاب الذي أقيم في الكويت الشهر الماضي التقيت بالكاتب عمر الخالدي بعد أن تابعت نشاطه في برامج التواصل، وحماسه في متابعة فكرته، وقد أكرمني بنسخة من «أساطير الآخرين» الذي يعدّ محاولة واعية – لا تخلو مثل أي اجتهاد من الملاحظات – للعودة إلى التاريخ بوصفه مادة للفهم لا للتبجيل او الانصياع الأعمى.

والكتاب، كما يعلن مؤلفه، لا يدّعي تقديم سردية نهائية، بل يطرح 25 مقالة تسعى إلى مساءلة تصورات راسخة، ونقد مسلمات شائعة في الوعي العربي المعاصر.
باعتبار العلاقة مع التاريخ واحدة من أكثر العلاقات التباسًا: بين قطيعة بدعوى الحداثة، أو استدعاء عاطفي جامد يختزل الماضي في صورٍ مثالية لا تُناقَش.

وبين هذين الطرفين، تبرز الحاجة إلى قراءة التاريخ باعتباره خبرة إنسانية مفتوحة على الفهم والمساءلة وإعادة التأويل.. سوى الوحيين الذين نأخذهما بالتسليم والقبول

إنّ العودة إلى التاريخ، في جوهرها، ليست حنينًا ولا فعلاً استعراضياً، بل محاولة لفهم مسارات التشكّل: كيف تكوّنت الأفكار؟ وكيف نشأت الصراعات؟ وأين أخطأنا، وأين أصبنا؟ فالتاريخ لا يمنحنا حلولًا جاهزة للحاضر، لكنه يزوّدنا بأدوات الفهم، ويمنحنا القدرة على قراءة الواقع برؤية أوسع وأعمق.

ولا يمكن قراءة كتاب الخالدي بعيدًا عن سياقه الزمني والفكري، إذ نعيش مرحلة تتراجع فيها العلاقة بالتاريخ الإسلامي والعربب، إما بدافع التغريب او التفريط، أو تحت وطأة الإحباط السياسي والثقافي، أو نتيجة قطيعة معرفية بين الأجيال الجديدة ومصادرها الحضارية.

من هنا، تبدو محاولة المؤلف في العودة إلى التاريخ ضرورية، باعتبارها مفتاحاً للتعامل مع المستقبل بوعي أكبر.

الكتاب لا يقدّم نفسه كمرجع، ولا يسير وفق منهج تاريخي أكاديمي، بل يختار شكل “المقالة الجدلية” التي تقترب من التاريخ بوصفه ساحة نقاش مفتوحة.

وهذا الخيار، في ذاته، يفسّر طبيعة اللغة والأسلوب؛ إذ نجد نبرة مباشرة، أحيانًا حادة، وأحيانًا متوترة، لا تخفي انحيازها لفكرة مساءلة السرديات السائدة، سواء تلك القادمة من الاستشراق، أو من التلقّي العربي غير الواعي للتاريخ.

ومن الإنصاف القول إن بعض فصول الكتاب لا تخلو من نَفَس شبابي غاضب، يظهر في حدة العبارات أو في الجزم الصارم أحيانًا. غير أن هذا الغضب لا يمكن فصله عن الواقع الذي يراه المؤلف: تراجع عربي مؤلم، تشوّه في الوعي التاريخي، وقطيعة بين الأمة وذاكرتها.

في هذا السياق، لا يبدو هذا الانفعال ضعفًا بقدر ما هو انعكاس صادق لحالة جيل يشعر بأن تاريخه يُختزل أو يُشوَّه أو يُستبدل بسرديات غريبة أو غربيّة أو تغريبية.

من هنا، تأتي أهمية كل جهد يحاول إعادة فتح ملف التاريخ العربي والإسلامي، من منطلق أن قراءة التاريخ لا تعني تبرئته، ولا الدفاع عنه على علاته، بل تعني التعامل معه بوصفه سجلًا بشريًا معقّدًا، تتداخل فيه السياسة بالدين، والقوة بالفكرة، والإنجاز بالإخفاق.

وهذه القراءة النقدية هي التي تسمح لنا بأن نفهم الحاضر: نفهم أسباب الانقسام، ومصادر الضعف، وحدود القوة، دون الوقوع في فخ جلد الذات أو تقديس الماضي (خارج سياق الوحيين) تقديساً أعمى.

إنّ مراجعة التاريخ، حين تُنجز بوعي، تفتح بابًا مهمًا أمام المستقبل.

فالأمم التي لا تفهم جذورها، لا تستطيع أن تفاوض على موقعها في العالم، ولا أن تصوغ مشروعًا حضاريًا متوازنًا.

كما أنّ قراءة التاريخ تذكّرنا بأن الهويات لا تُبنى على الإنكار، ولا على الأسطرة، بل على المعرفة. فمعرفة ما جرى، وكيف جرى، ولماذا جرى، تمنحنا قدرة أكبر على تفكيك الخطابات السائدة، سواء تلك التي تمجّد الماضي بلا نقد، أو تلك التي تختزله في صورة سوداء واحدة.

لذلك تبدو عودة عمر الخالدي إلى التاريخ فعلًا ثقافيًا ضروريًا في لحظة عربية مأزومة، لا بحثًا عن عزاء رمزي، بل سعيًا إلى وعيٍ أكثر نضجًا.. لأن أمة بلا ذاكرة نقدية، تظل عاجزة عن فهم حاضرها، وأكثر عجزًا عن التفاوض مع مستقبلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق