مقالات وبحوث

بيان محبة لـ (البيان)

بقلم: علي المسعودي

ليست مطبوعةً دوريةً عابرة في تاريخ الكويت الثقافي، بل سجلٌّ حيٌّ لذاكرةٍ فكريةٍ وشعريةٍ ظلّت، منذ انطلاقتها عن رابطة الأدباء الكويتيين، تؤدي دورها بوصفها منبرًا للمعرفة، وبيتًا للكلمة الجادة، وجسرًا بين أجيال الكتاب والمبدعين في الكويت والعالم العربي.

فاكتسبت مكانتها من تراكمٍ طويلٍ من الرؤية والجهد، ومن مرور أسماء أدبية وفكرية كبيرة على صفحاتها، جعلت منها واحدة من أعرق المجلات الثقافية في المنطقة..

تميّزت «مجلة البيان الثقافية » بقدرتها على التقاط نبض اللحظة الثقافية دون أن تنقطع عن عمقها المعرفي. فكانت منبعًا من منابع الفكر، وحاضنةً للشعر، ومساحةً للنقد الرصين، ومختبرًا للأسئلة الكبرى التي شغلت المشهد العربي في الأدب والفلسفة والهوية.

وحين غابت في بعض الفترات، لم يكن الغياب إعلان أفول، بل استراحة قسرية في مسار طويل؛ وحين عادت، كانت تعود محمّلة بإرادة الاستمرار، وبوعيٍ أشدّ بأهمية الدور الذي تؤديه في زمن تتسارع فيه التحولات وتتبدّل فيه خرائط القراءة والنشر.

إن أهمية «البيان» اليوم لا تنبع فقط من تاريخها، بل من ضرورتها الراهنة في المشهد الشعري والثقافي. فاستمرارها ليس ترفًا، ودعمها ليس مجاملة، بل واجب ثقافي تشترك فيه وزارة الشؤون، والمثقفون، ورابطة الأدباء نفسها؛ لأن المجلات الجادة هي التي تحفظ التوازن بين سرعة المنصات الرقمية وعمق العمل التقليدي عبر الالإصدار الورقي، وبين الانفعال العابر والتأمل الطويل.

و«البيان» تحديدًا أثبتت أنها قادرة على هذا التوازن، وأنها حين تُدعَم تُثمر، وحين تُترك وتُهمل نخسر مساحةٌ من الوعي العام.

وعلى المستوى الشخصي، تبقى «البيان» مجلة راسخة في ذاكرتي. ذاكرة قارئٍ وكاتب شجعته منذ البدايات، حين وجد في صفحاتها مساحة احترام للكلمة، وملتقىً مفتوحًا للمثقفين الكويتيين والعرب والضيوف القادمين من الخارج.

كانت – ولا تزال – تأخذ بيد الشباب، تفتح لهم الأبواب دون وصاية، وتمنحهم الثقة دون تهاون، مؤمنة بأن تجدد الثقافة لا يتم إلا عبر ضخّ دماء جديدة في شرايينها.

ويتعزّز الأمل اليوم مع مجلس الإدارة الجديد الذي انتُخب أخيراً ، ويضم مجموعة من الشباب المثقفين المتحمسين، بقيادة الأمين العام للرابطة عبدالله بصيص، في مشهد يوحي باستمرارية واعية لا تقطع مع السابقين، بل تبني على ما أنجزه المبدعون الذين تولّوا أمانة الرابطة عبر مراحلها المختلفة.

إنها لحظة انتقال هادئة، تؤكد أن المؤسسة الثقافية الحيّة هي التي تُحسن تداول المسؤولية دون أن تفقد بوصلتها.

ولا يمكن الحديث عن «البيان» دون التوقف عند الجهد التحريري اليومي، الذي تمثّله أسماء تعمل بصمت وإخلاص، وفي مقدمتها الأستاذة أفراح الهندال، محافظةً على توازن صعب بين القديم والحديث، وبين الانفتاح على الأفق المعرفي الواسع والمحافظة على الهوية الكويتية.

فالمجلة ليست فكرةً فقط، بل عملٌ يومي، وتراكمُ، وحراسةٌ للجودة في زمن الاستسهال.

في المحصلة، تظل «البيان الثقافية» علامةً فارقة في المشهد الكويتي والعربي، ومسؤوليةً جماعية تتطلب الإيمان بقيمة الثقافة بوصفها استثمارًا طويل الأمد في الإنسان. استمرارها هو استمرار لذاكرةٍ، ودعمها هو دعم لمستقبلٍ نريده أكثر اتزانًا وعمقًا.

وبين التاريخ الذي صنع مكانتها، والحاضر الذي يختبر قدرتها على التجدد، تظل «البيان» وعدًا مفتوحًا بأن الكلمة الجادة، مهما تعثّرت، تعرف طريقها دائمًا إلى الغاية الأسمى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق