مقالات وبحوث
8 ديسمبر… يوم بدأت الشام تاريخها وتاريخنا

في الثامن من ديسمبر، لا تبدو الشام مجرد مساحة جغرافية تغيّر لونها السياسي، بل روح تنهض من تحت الركام، وتستعيد صوتها الحقيقي.
بالنسبة لي، لم يكن هذا اليوم حدثاً سياسياً بقدر ما كان لحظة شخصية مكثفة تختلط فيها الذاكرة بالوجدان، وتلتقي فيها طفولةٌ بعيدة بثورةٍ لا تزال ترتجف في الوعي العربي.
البداية كانت داخل صفٍ مدرسي في الثالث المتوسط. مدرس التربية الإسلامية، لم يكن يحكي درساً من كتاب، بل كان يروي سيرة مدينته التي دفن أهلها أحياء. لم أكن أعرف حماة، ولا أين تقع سوريا، لكن دموعه صنعت معرفتي الأولى: أن الظلم حين يقع، يتردد صداه في أرواح بعيدة.
أصبحت الشام حاضرةً في تفاصيل الوعي: وقد تحوّلت البيوت إلى ثكنات، وتمددت القبضة الأمنية حتى صارت الأنفاس مراقَبة، وكيف تحول الوطن إلى شبكة تجسس وخوف متبادل، تديرها عصابة قذرة..
وحين انطلقت ثورة 2011، كانت الصورة أشبه بعودة الحقيقة إلى مكانها الطبيعي: شعب يريد استعادة كرامته.
وبدأت علاقتي الشخصية مع الوجع السوري.
أصدقاءٌ يعيشون بانتظار خبرٍ قد يأتي أو لا يأتي.
لم يكونوا مجرد متابعين للنشرة المسائية… كانوا وجوهاً أعرفها، وأحلاماً أعرف حجم انكساراتها.
وعلى امتداد هذه المسافة، ظلّت الشام بالنسبة لي مفهومًا أكبر من السياسة.
الشام—بكل إرثها العظيم—لا يمكن فهمها كأرض مقهورة، بل كجغرافيا أنتجت حضارةً لا تزال ملامحها حاضرة في كل تفاصيل الهوية الإسلامية والعربية.
حين جاء يوم الثامن من ديسمبر… بدا وكأنه انفراجٌ على المستوى الشخصي لا على مستوى الشام وحدها.
عودةُ التكبيرات إلى مآذن وقلوب صودرت منها الأصوات لعقود طويلة، لم تكن مجرد نشوة عسكرية، بل استعادة لمعنى غاب.
إشراقة في نفق طويل، ينتظرها صديقي المحكوم بالإعدام، وصديقي الآخر الذي لا يعرف مصير عائلته المعتقلة في مكان مجهول، وصديقي الواقف خارج حدود وطنه متوجساً حتى من ذكر اسمه في أرض ولد وترعرع فيها.
فتح أعاد للشام ما سُرق منها: هواءٌ يشبه الهواء الأول، وحريةٌ ما تزال في بداياتها، لكنها بداية تكفي لكي نتنفس بعمق.
في منطقةٍ أنجبت الفرسان والقادة والدهاة،
وفقهاء ومؤرخين غيّروا مسار الفكر… لا يمكن للظلام أن يدوم طويلاً.
هذه عادة الشام منذ قرون: إذا طلبوا منها الانحناء، تنهض أكثر..
وإذا أُغلقت، تفتح أبواب التاريخ.
وإذا كُسر سراجها، وُلد في قلبها النور..
الثامن من ديسمبر، ليس تاريخاً على روزنامة…
إنه لحظة يلتقي فيها الماضي بالحاضر، وتستعيد فيها الشام دورها كمرآةٍ لوجدان الأمة.
وحين تُفتح الشام، يؤذن المؤذن في المدن التي حولها ببشارات ستهتزّ لها القلوب في الأقصى قريباً ..
(إنّ موعدهم الصبح.. أليس الصبح بقريب)؟
