مقالات وبحوث

تأملات في حكمة الربّ وجمال التسليم

حين نقرأ قول الله تعالى:

“إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ”
نقف أمام جملة قصيرة، لكنها تختصر فلسفة الوجود بأسره؛ تختصر الحيرة، والطمأنينة، والخوف، والرجاء، في آنٍ واحد. إنها الآية التي تُعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي أمام خالقٍ يعلم، ويقدِّر، ويهيّئ الأسباب في الوقت الذي لا يدركه عقل ولا تتسع له بصيرة.

الإنسان، بطبعه، كائنٌ حائر بين ما يريد وما يُقدَّر له. يعيش بين ظنٍّ بأنه يختار مصيره، وبين يقينٍ بأن طريقه مرسوم بخطٍّ إلهيٍّ لا يزيغ. وهنا تتجلّى عظمة الإيمان حين يلتقي العقل بالقلب؛ حين يفهم الإنسان أن الله لم يخلقنا عبثًا، ولم يتركنا سُدى، بل جعل لكل خطوة في عمرنا وزنًا وحكمة.

قرأت كلمة لفيلسوف هولندي اسمه سبينوزا: “الحرية الحقيقية ليست في أن نفعل ما نريد، بل في أن نفهم لماذا نريد ما نريد.” وهذه الجملة تقترب من الهدف كثيراً؛ فحين يدرك الإنسان أن رغباته نفسها جزء من التقدير الإلهي، يصبح التسليم لله حريةً لا عبودية، وراحةً لا استسلامًا.

التسليم لله ليس ضعفًا، بل أعلى درجات الوعي. إنّه معرفة بأن وراء كل تأخير مصلحة، ووراء كل فقدٍ حكمة، ووراء كل ألمٍ رسالة. يقال:

“ما تبحث عنه يبحث عنك.”
يعني أن الأقدار ليست مصادفة، بل حركة متجانسة متكاملة في نسيجٍ كونيٍّ دقيق، تسير فيه الأرواح إلى ما كُتب لها منذ الأزل.

التسليم لا يعني أن نتوقف عن السعي، بل أن نُسافر في دروبنا ونحن نعلم أن الطريق نفسه مُمهَّد بأمرٍ من الله. أن نزرع ونحن نؤمن أن المطر بيده، وأن نحلم ونحن نعلم أن الأحلام لا تتحقق إلا إذا شاء لها أن تُزهر في وقتها.

في نظر الفلاسفة، القدر هو نظام الكون الذي لا خلل فيه، وهو ما عبّر عنه بعض أهل الرأي: “كل شيء في الوجود يسير وفق نظامٍ محكم، ومن أراد أن يعيش في سلامٍ مع الكون فليتوافق مع هذا النظام.”
لذلك فإنّ الإيمان بالقدر هو الحكمة التي لا تراها العين ولكن يطمئن لها القلب.
“ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فكن مع مشيئته يكن كلّك سلامًا.”
والفلسفة قد تشرح القدر بالعقل، أما العارفون فيرونه بالبصيرة.

كم من إنسانٍ فقد عمله فظنّ أن الدنيا انتهت، ثم أدرك لاحقًا أن الله كان يهيئه لطريقٍ أنفع. وكم من حبٍّ لم يكتمل فكان بابًا لنضجٍ روحيٍّ عميق. وكم من حلمٍ تأخّر فصار أجمل حين جاء. القدر لا يخطئ، بل نحن الذين نضيق ذرعًا بمواقيته.

“من يحيا في رضا، يحيا في فردوسه الخاص.” فاطمئن وتأكد (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر.. ولا الليل سابق النهار)
فالرضا هو جوهر الإيمان بالقدر؛ لأن من رضي عاش في سلامٍ مع الله، ومع نفسه، ومع الناس.


ومضة ختامية:
حين تسير في الحياة، تذكّر أن كل ما يمرّ بك مكتوب بقدر، لكنّك أنت تختار كيف تواجهه. قدرك أن تولد في زمنٍ محدد، في بيتٍ معين، لكن حريتك في أن تكون إنسانًا يملأ هذه الحياة بالنور أو بالظلمة.
فالإيمان بالقدر لا يُطفئ إرادتك، بل يحرّرها من الخوف. ومن سلّم أمره لله، نال سكينةً لا يعرفها إلا من ذاقها؛ لأن من أيقن أن الأمور كلها بيد الله، لم يعد يخشى شيئًا من الناس أو من الغد.
هل عرفت الآن معنى قوله تعالى في سورة القمر:

إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق