مقالات وبحوث

طالب الرفاعي وملتقى القصة.. انحيازاً لجمالية السرد المكثّف

بقلم: علي المسعودي

يُروى عن الفيلسوف الإغريقي “ديوجين الكلبي” أنه خرج في وضح النهار حاملاً مصباحًا مضيئًا، وحين سأله الناس -على سبيل التهكّم- عمّا يفعل، قال: «أبحث عن إنسان».
لم يكن ديوجين يبحث عن كثرة، ولا عن تفاعل جماهيري صاخب، بل عن معنى. وحين ازدحم الطريق بالمارة، لم يطفئ مصباحه، ولم يغيّر وجهته، بل مضى في طريقه، مؤمنًا بأن القيمة تُقاس بصدق الاختيار مهما قلّ عدد السائرين.

هذه الحكاية، على بساطتها، تصلح مدخلًا لفهم كثير من المواقف الثقافية التي تتطلّب ثباتًا على القناعة، خصوصًا حين تميل الأذواق العامة إلى ما هو أكثر انتشارًا وأسرع جذبًا للانتباه. فالثقافة، في جوهرها، ليست استجابة فورية للذائقة السائدة، بقدر ما هي تراكم هادئ لمواقف جمالية ومعرفية طويلة النفس.

ومن هذا المنظور، تتشكّلت علاقتي بالقصة القصيرة، صمن الفريق الذي لم يتعامل معها يومًا كمرحلة عابرة في مسار الكتابة، بل اختيارها فنًّا دائماً ، لشروطه الاحترام، ولاقتصاده اللغوي الانحياز، وقدرته العالية على تكثيف التجربة الإنسانية.. وقد قرأت العالم طويلًا من خلال هذا الفن، وتأثرت بتجارب جعلت من القصة القصيرة اختبارًا للوعي، بدءًا من نجيب محفوظ، وصولًا إلى تقاليد سردية آمنت بالاختزال واللمحة والومضة.. وفي مقدمتها يوسف ادريس ويحيى حقي ومحمد المخزنجي ونجمة ادريس وطالب الرفاعي وناصر الظفيري وعالية شعيب.. وآخرين..

لهذا السبب، كان حضوري قبل أيام حفل توزيع جائزة الملتقى للقصة القصيرة في الكويت أقرب إلى المشاركة في موقف ثقافي منه إلى مجرد مناسبة احتفالية. فقد شهد الحفل حضور عدد من المثقفين والإعلاميين، يتقدمهم الدكتور محمد الجسار أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، في مشهد يؤكد أن القصة القصيرة، رغم انحسارها إعلاميًا، ما زالت تحظى بتقدير النخبة واهتمامها.

غير أن أهمية هذا الملتقى لا تكمن في طقوس الاحتفاء وحدها، بل في الرؤية التي يقف خلفها الأخ العزيز المبدع طالب الرفاعي رئيس مجلس الأمناء والمؤسس، الذي اختار منذ البداية أن ينحاز بوضوح إلى القصة القصيرة، في وقتٍ مالت فيه المؤسسات الثقافية العربية إلى الرواية بوصفها النوع الأكثر حضورًا، وإلى المسابقات الشعرية التي استحوذت على المشهد الإعلامي.
إن ما يقدّمه الملتقى هو فعل حماية ثقافية لفنٍّ مهدد بالتراجع، لا لأنه أقل قيمة، بل لأنه أقل وهجاً واستقطاباً للجمهور (وهو ادعاء شائع لا أوافقه) . فالقصة القصيرة، بطبيعتها، لا تراهن على الامتداد، بل على اللحظة المكثفة، والإيحاء الدقيق. وهي، من هذا المنطلق، تحتاج دائمًا إلى مؤسسات تؤمن بها، بوصفها أحد أكثر الأشكال السردية قدرة على التعبير عن الهموم الصغيرة والشائكة للإنسان المعاصر.. كما أنها تكاد تكون هي فن البدايات للمشاريع الروائية.

إن استمرارية الملتقى بهذا الشكل، وبهذا الإصرار، تحمل دلالات ثقافية تتجاوز حدود الجائزة، وتؤكد أن الثقافة الحقيقية تُقاس بما يبقى من أثر. ففي زمن تتسارع فيه الأذواق، وتعلو فيه الأصوات، يظل هذا الملتقى أشبه بمصباح ديوجين: هادئًا، ثابتًا، ومخلصًا لفكرته، يبحث عن النص الجيد،
وذلك، في السياق الثقافي العربي الراهن، موقف يستحق التوقف عنده.. ويستحق أن نحيي فيه طالب الرفاعي الذي ظل ثابتا في بحثه عن الإنسان في فنّه الأوّل..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق