مقالات وبحوث

مكتبة الكويت الوطنية ودورها في صناعة الوعي الثقافي الكويتي

بقلم: علي المسعودي

مكتبةُ الكويتِ الوطنية ليست صالة عرض للكتب والمخطوطات، بل ذاكرةٌ تطل على الخليج من جهة؛ وعلى المدينة من جهة أخرى كأنما تقول لها: إنّ الأمم تُقاس بما تحفظه لا بما تُضيّعه، وبما تُرتِّبُه من أثر العقل، لا بما تتركه للصدفة والنسيان. إنها مكانٌ يُعيد للمعرفة هيبتها، وللوثيقة وزنها، وللزمن حقَّه في أن يُروى كما كان، وكما يُتخيَّل.. وفق مانرسمه من أحلام وخطط ونبذله من جهود.

ومع بدايات انتقال المكتبة من مبناها الداخلي القديم في مدرسة المباركية وافتتاح المبنى الحديث، تشكّلت علاقتي بها من لحظةٍ أعدّها من أشرف المحطات في مساري الثقافي: الإشراف على نقل مكتبة الدكتورة سعاد الصباح الخاصة من القصر الأبيض إلى مكتبة الكويت الوطنية. لم يكن ذلك مجرّد عمل تنظيمي أو لوجستي، بل فعل ثقةٍ رمزية عميقة، وإيمانٍ بدور المكتبة الوطنية بوصفها الحاضن الأمين لذاكرة المثقف الكويتي والعربي. كان نقل هذه المكتبة، بما تحمله من كتبٍ ووثائق وهوامش وذاكرة شخصية، إعلانًا مبكرًا عن معنى أن تبدأ المكتبة الوطنية حياتها وهي تحتضن أحد أهم العقول الثقافية في الكويت، وكان لي شرف أن أكون المشرف على هذه العملية، وهو شرف أعتز به كثيرًا.

عرفت الكويت فكرة المكتبة بوصفها مشروعًا مجتمعيًا مبكرًا، قبل أن تتبلور “المكتبة الوطنية” كمؤسسة رسمية. غير أن التحوّل الحقيقي جاء مع قيام الدولة بتكريس الذاكرة الثقافية ضمن إطار مؤسسي واضح، ثم مع المبنى الحديث الأنيق المطلّ ، الذي شكّل منذ افتتاحه في عام 2011 تقريبًا مرحلة جديدة في حضور المكتبة داخل المشهد الثقافي. لم يعد المكان مجرد وعاء للكتب، بل صار فضاءً حيًا للنشاط الثقافي، وللحوار، وللاحتفاء بالذاكرة الوطنية.

في المشهد الثقافي الكويتي، تؤدي مكتبة الكويت الوطنية دور المرجع والمرسى معًا: مرجعٌ للباحث حين تتشعّب به المصادر، ومرسى للأديب حين يبحث عن طبعةٍ نادرة أو عددٍ قديم من دورية منسية. هي ليست مكتبة قراءة عابرة، بل خزانة دولة، تحفظ الإنتاج الفكري الكويتي، وتوثّق مساراته، وتُراكم ما يشبه السيرة الثقافية للكويت عبر عقودها. وللجيل القديم، تمثّل المكتبة معنى الانضباط المعرفي وهيبة الطريق إلى الكتاب، أما الجيل الحديث، فتمنحه درسًا لا يقل أهمية: أن سرعة الوصول لا تُغني عن دقّة المصدر، وأن المعرفة التي لا تمرّ عبر التوثيق تبقى هشّة مهما بدت لامعة وسهلة وسريعة.
علاقتي بالمكتبة الوطنية لم تكن علاقة زائرٍ عابر، بل علاقة شراكة بدأت منذ مرحلة التأسيس، قبل الافتتاح الرسمي، من خلال تردّدٍ دائم وتنسيقٍ مستمر ككاتب وكمحبّ وأيضا لمدير لبيت ثقافي عريق، سواء في تقديم مقترحات ثقافية، أو في أعمال مشتركة، أو في التفكير بدور هذا الصرح في المشهد الكويتي. شاركتُ في نشاطات المكتبة بأكثر من صفة: محاضرًا أحيانًا، وحاضرًا متفرجًا من بين الجمهور أحيانًا أخرى، في دلالة على أن العلاقة لم تكن وظيفية بقدر ما كانت وجدانية ومهنية في آنٍ واحد.

ومن أبرز محطات هذا التعاون، إقامة فعالية كبرى بمناسبة مرور مئة عام على وفاة الشيخ مبارك الكبير. اذ لم تكن تلك الفعالية حدثًا عابرًا، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا: أصدرنا كتابًا توثيقيًا، وأقمنا معرضًا، واحتفينا بالذاكرة الوطنية في مسرح المكتبة الوطنية، بحضور وزير الإعلام آنذاك، وبحضور الدكتورة سعاد الصباح، وعدد من الشيوخ والشخصيات الثقافية. ومن ثمار هذه المناسبة أيضًا، أننا تشرفنا بلقاء سمو الأمير آنذاك صباح الأحمد رحمه الله، حيث تم استقبالنا في الديوان الأميري، وكنت بمعية سعادة الشيخ مبارك عبدالله المبارك الصباح، والأخ كامل العبدالجليل، والكاتب باسم اللوغاني، وقد عبّر الشيخ صباح الأحمد عن تقديره لدور الشيخ عبدالله المبارك في بناء الدولة ونهضتها الحديثة وفي دور الدار في الحراك الثقافي، في شهادةٍ رسمية عزّزت قناعتنا بأن العمل الثقافي حين يكون جادًا يصل صداه إلى أعلى المستويات. كما استقبلنا سمو ولي العهد في ذلك الوقت الشيخ نواف الأحمد رحمه الله، وجلسنا معه جلسة مطوّلة قاربت الساعة، أشاد خلالها بدور دار سعاد الصباح في العمل الثقافي في تلك المرحلة، وهو ما تناولته الصحافة بتصريحات واضحة.

وامتدّ التعاون مع المكتبة الوطنية ليشمل إقامة مسابقة لبراعم الأدب العربي، برعاية وحضور الشيخة سعاد الصباح ومعالي الشيخ محمد عبدالله المبارك الصباح، في تأكيدٍ على أن الاستثمار الحقيقي هو في الأجيال الجديدة. كما تعاونا في تنظيم تكريم خاص لعالم الكويت الجليل صالح العجيري رحمه الله، ضمن مبادرة الدكتورة سعاد الصباح لبتي حملت اسم “يوم الوفاء”، بحضور الدكتورة سعاد الصباح ووزير الإعلام في وقتها الشيخ سلمان الحمود الصباح وعدد كبير من الشخصيات والاصدقاء والاعلاميين والمهتمين، في لحظةٍ جمعت بين الذاكرة العلمية والوفاء الإنساني.

إلى جانب ذلك، نحن فعلى علاقة دائمة بالمكتبة الوطنية في ما يتصل بالتوثيق، وشؤون الإيداع لاصداراتنا من الكتب المتنوعة، ونجد في كل مرة تعاونًا يُسهّل العمل ويُعزّز الجودة. من هنا، لا تبدو المكتبة الوطنية بالنسبة لي مؤسسة رسمية فحسب، بل شريكًا ثقافيًا حيًا، وذاكرةً مفتوحة، ومكانًا يمنحك يقينًا في زمن الالتباس.
واليوم يتواصل هذا التعاون بروحٍ إيجابية مع مديرة ابمكتبة الأستاذة سهام الدواس العازمي، ابنة المجلس الوطني وابنة الثقافة الكويتية بحق، بما تمتلكه من خبرة عميقة ومعرفة دقيقة بتفاصيل المشهد الثقافي والمثقفين واحتياجات العمل الثقافي. اذ وجدنا معها رحابة قلب، ومحبة صادقة، وتعاونًا حقيقيًا يشعر الشريك الثقافي بالثقة.. بحرصها على التفاعل والتواصل وخدمة العمل الثقافي ومتابعته أولاً بأول في جهود متواصلة لاتتوقف،

هنا في المكتبة الوطنية يصمت التاريخ قليلاً ثم يقول بثقة: هنا تُحفظ الذاكرة… وهنا تُصان الثقافة

 

..

لمراسلة الكاتب

almasoudi20@yahoo.com

لمراسلة منصة أبواب:

upwaab5@gmail.com

..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق