مقالات وبحوث

بدر بن عبدالمحسن والليل.. السهر والخذلان.. والصدفة المؤجلة

بقلم: علي المسعودي

يطيح جفن الليل واهزّ كتفه
نجمٍ يشع وباقي الليل مطفي
واحاكي الجدران عن وصف غرفه
ماتشبه الجدران ويطول وصفي
وتملني الجدران واظهر لشرفه
تحت السما واسكّر الباب خلفي
ريحٍ تهب وتسكن العظم رجفه
وتموت ريح وتسكن اوراق نزفي
على الروابي تهطل دموع وطفه
وتصب لمع بروقها وسط طرفي
ياطاري الغدران والعمر رشفه
مع قلها ياليتها يوم تصفي
الحب واجد مير الاقدار صلفه
والأرض واجد لكن الحلم منفى
واللي اعرفه راح ماعاد اعرفه
ولاظن يذكرني الى أقبلت مقفي
ماهو حبيبي مورد القلب حتفه
ولا هو حبيبي يفرح بوقت ضعفي
مرٍّ ثمر هالليل.. وأمرّ قطفه
يالحنظل اللي قمت اذوقه بكفي
متى الشوارع تجمع اثنين صدفه
لا صار شباك المواعيد مجفي
يابنت تو الليل ماراح نصفه
وياليل بعض اللي مضى منك يكفي

تقدّم هذه القصيدة لبدر بن عبدالمحسن نموذجًا متقدّمًا في بناء القصيدة الشعبية، من حيث حداثة الموضوع وبناء الرمز، وطريقة إدارة السيناريو الشعري بوصفه مشهدًا بصريًا متحركًا، أقرب إلى افتتاحية فيلم سينمائي جاء على شكل استهلال قصيدة.

تبدأ القصيدة بوصف حدث غريب ومفارق:
«يطيح جفن الليل واهز كتفه»
هنا لا ينام الشاعر، بل الذي ينام هو الليل نفسه. الليل ــ الكائن الأزلي الساهر ــ كان جالسا بكل اتساعه وهيبته أم الشاعر
هذا الليل البهيم الشاسع -الذي كان يدرك النابغة أينما هرب- فجأة أدركه النعاس، فتساقطت جفونه، بينما الشاعر يقظ، منتبه، يرفض أن تنتهي السهرة. فيقوم بهزّ كتف الليل ليوقظه.
مفارقة ذكية تقلب العلاقة المألوفة:
الإنسان هنا هو الساهر، والليل هو المتعب.
هذا المدخل لا يشرح، بل يحفّز. ولا نعرف إلى أين ستقودنا الأحداث، ولا من هو البطل على وجه الدقة، ولا طبيعة هذه السهرة المهمة والجديرة بالمتابعة. نحن أمام مشهد افتتاحي غامض، يُشبه بداية فيلم لا يكشف أوراقه سريعًا.

يضطر الشاعر أن يهمل هذا الليل الذي لم يكن (قد الهقوة) وينتقل إلى الغرفة. لكنها ليست غرفة مألوفة. الجدران لا تشبه الجدران، والأركان لا تشبه البناء المعتاد. وكأن المكان نفسه مختلّ أو غريب عن ساكنه.
يحدّث الجدران، يطيل الوصف، يشرح، يبوح… لكن لا أحد يفهم. حتى الجدران تملّ من الحكاية.
وهنا تتكثّف دلالة العزلة:
ليس فقط البشر لا يفهمون، بل حتى الأمكنة تضيق بالبَوْح.
حين تفشل الغرفة، يخرج الشاعر إلى الشرفة.
والخروج هنا ليس حركة مكانية فحسب، بل اتساع في المعنى والرؤية. خارج الجدران تبدأ الطبيعة:
ريح تهب، رجفة تسكن العظم، ثم تموت الريح فجأة، وتسكن الأوراق، وتهطل الأمطار، ويلمع البرق.

هذا التحوّل الطبيعي ليس وصفًا زخرفيًا، بل مرآة داخلية. البرق لا يلمع في السماء فقط، بل «تصب لمع بروقها وسط طرفي»، أي في طرف العين، في الذاكرة، في لمعة قديمة تشبه ومضة حب سابق أو ذكرى لم تُغلق من خلفها الباب جيداً!

ومن الماء المتساقط ينتقل الشاعر إلى الغدران، حيث تتجمّع المياه. وهناك يستدعي المعنى الأكثر مرارة:
العمر مجرد رشفة.
رشفة قصيرة، قليلة، وبرغم ذلك هي رشفة غير صافية.
فالحب ــ كما يقول ــ واجد، لكن الأقدار صلفة، قاسية، لا تمنح بسهولة.
الأرض واسعة، لكن الحلم منفي.. من هذه الأرض

في هذا المقطع تبلغ القصيدة ذروة الخسارة الهادئة.
فالذي كان يعرفه الشاعر ذهب.
والذي تألّفه نفسه غاب.
وحتى إن أقبل عليه يومًا، فلن يُعرف.
بل الأغرب:
«ولا ظن يذكرني إلى أقبلت مقفي»
يقبل عليه لا بوجهه. بل منكفئاً.. صورة شعرية غريبة، توحي بأن العودة نفسها ناقصة، وأن اللقاء ــ إن حدث ــ سيكون بلا ملامح.

ثم يحسم الشاعر موقفه الأخلاقي والعاطفي:
من أورد القلب حتفه ليس حبيبًا،
ومن يفرح بضعفي ليس حبيبًا.

ويعود الليل من جديد، لكن ليس بوصفه زمنًا، بل كشجرة مرة:
ثمره مر، وقطفه أمر،
والشاعر مضطر أن يتذوّق هذا الحنظل بكفّه.
المرارة هنا ليست اختيارًا، بل إجبارا.

وتأتي في نهاية القصيدة تلك الأسئلة التي ننتظرها جميعًا:
متى تجمع الشوارع اثنين صدفة؟
متى يحدث اللقاء غير المخطط له؟
متى تُفتح نوافذ المواعيد المغلقة؟

ثم النداء الأخير، المعلّق بين أنثى وليل:
يا بنت…
يا ليل…
بعض الذي مضى منك يكفي.

هنا تُغلق القصيدة كما يُغلق كتاب الليلة الأخيرة.
لا حلول، لا مصالحة، بل اكتفاء بالألم، وكأن الشاعر يقول: لا أطلب أكثر، فقد أخذ الليل حصته كاملة.

هذه القصيدة تؤكّد أن بدر بن عبدالمحسن، في تجربته مع القصيدة، لا يكتب للغناء ولا للجمهور، بل يكتب للمشهد الداخلي، للّحظة التي يعيشها بأعصابه ويكتبها بأوردته..

إنها قصيدة سهر طويل،
لا مع حبيب،
ولا مع ذكرى فقط،

 

..

لمراسلة الكاتب

almasoudi20@yahoo.com

لمراسلة منصة أبواب:

upwaab5@gmail.com

..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق