
بقلم: علي المسعودي
لم تكن تجربة الأمير بدر بن عبدالمحسن في كتابة القصيدة الحرة تجربة عابرة أو ترفًا شكليًا، بل جاءت بوصفها حاجة داخلية للشعر؛ حاجة إلى نصٍّ لا تُطارده شروط اللحن، ولا تُرهقه حسابات الطرب، ولا تُقيّده «قفلات» الأغنية ومتطلباتها الجماهيرية.
لقد كتب بدر القصيدة الحرة لأنه أراد أن يكتب قصيدة حب خالصة، قصيدة لا تُختزل في صوت المغنّي، ولا تُستدرج إلى ذائقة الجمهور قبل اكتمالها شعريًا.
الأغنية ــ مهما بلغت من الجمال ــ تفرض على الشاعر نظامًا خفيًا: زمنًا محددًا، تكرارًا محسوبًا، جملة لافتة قابلة للترديد، ومساحة صوتية يجب أن تُراعى.
أما بدر، فقد اختار في القصيدة الحرة أن يفرض شروطه على النص، لا أن يخضع لشروط الأغنية. كتب التفعيلة لا لأنها موضة، بل لأنها حيّز يسمح للقصيدة أن تتنفس بلا خوف.
سبق بدر في هذا المسار شعراء مهمون في الخليج، مثل نايف المخيمر في الكويت، الذي كتب القصيدة الحرة مبكرًا، وفايق عبدالجليل الذي ظلّ ممزقًا بين الشاعر الحرّ وكاتب الأغنية، حتى صرّح أكثر من مرة بأن الأغنية “أفسدت قصيدته”.
وكان فايق ــ بمرارة الشاعر العارف ــ يحذّر غيره من الانجراف الكامل نحو الأغنية، ومنها تحذيره الدائم لتلميذه الشاعر مسفر الدوسري، الذي يُعدّ بدوره تجربة مهمّة في كتابة القصيدة الحرة.. وقد اخذ بنصيحة فايق وظل يستقبل دعوات الملحنين بحذر شديد.
لذلك كان الفارق الجوهري أن بدر بن عبدالمحسن لم يقع في هذا فخ شروط الاغنية (واظن ان المكانة الاعتبارية ساتدت شخصية الشاعر فيزفرص الشروط)
لم يسمح للأغنية أن تبتلعه، ولم يعلن القطيعة معها، بل أقام بينه وبينها مسافة ذكية:
كتب للأغنية حين أراد، وكتب القصيدة الحرة حين احتاج أن يقول خارج دائرتها تماما.
في القصيدة الحرة عند بدر، نلاحظ غياب “الاستعراض اللغوي”، وحضور التجربة الشعورية الصافية. اللغة هادئة، مشدودة من الداخل، غير معنيّة بالإيقاع السهل، ولا بالجملة الجذّابة السريعة.
هي تلك القصيدة تحب ان تأخذها على انفراد لتقرأها مع نفسك.. ثم تتغلغل في ذاتك وتصبح جزءا من نسيجك العاطفي.. حتى أصبح البدر – كما يصفه الصديق الشاعر نايف الرشيدي- بأنه (شريك العشاق في عشيقاتهم).. كما أنه شاعر كل الأجيال
ق مسفر الدوسري تجربة لافتة في القصيدة الحرة، وفهد عافت أيضًا كتب هذا النمط الشعري بمتيّز لكنه تخلى عنه او ابتعد ، لذلك تجربة بدر تظل مختلفة؛ لأنها صادرة عن شاعر امتلك الجماهيرية، وفرض شروطه في الوقت ذاته.
وهنا تكمن شجاعة التجربة:
أن تكتب قصيدة تراهن على البقاء.
لذلك فإن القصيدة الحرة عند بدر بن عبدالمحسن لم تكن تمرّدًا على الأغنية، بل استعادة لكرامة النص.
هي عودة الشاعر إلى ذاته الأولى، إلى لحظة الكتابة قبل أن تُحاصرها الأصوات، وقبل أن يُطالبها الآخرون بأن تكون شيئًا غير ما تريد.
..
لمراسلة الكاتب
almasoudi20@yahoo.com
لمراسلة منصة أبواب:
upwaab5@gmail.com
..
