مقالات وبحوث

(ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون)

ما أصدق هذه الآية، وما أعمق وقعها على النفس حين تتلوها القلوب الموجوعة بالظلم! إنها ليست مجرد جملة من وعيد، بل وعدٌ بعدلٍ إلهيّ لا يتأخر، وعدٌ يُعيد للنفس المكسورة توازنها، وللقلوب المقهورة أملها في ميزانٍ لا يُميله سلطان ولا يُعطّله نفوذ.

يقول الله تعالى: (ولا تحسبنّ الله غافلاً عما يعمل الظالمون)، هي قوة ضد كل يدٍ امتدت على الضعفاء، وضد كل لسانٍ افترى، وضد كل من توهّم أن صمْتَ الأيام نسيان، أو أن تأخّر الحساب غفلة.

الغفلة من صفات البشر، أما الله فلا ينام ولا تغيب عنه صغيرة ولا كبيرة، فهو سبحانه القائل: (إن ربك لبالمرصاد).

إنها آية تسكب العدل في العروق، وتذكّر الإنسان بأن وراء هذا الكون عينًا لا تنام، تراقب ما يجري في الليل والنهار، وأن كل ظلمٍ مُسجّل، وكل عبرةٍ محسوبة، وكل دمعةٍ محفوظة في ميزانٍ لا يُخطئ.

حين تقرأ هذه الآية وأنت ترى الظالم يتمادى، والغني يتكبر، والمنافق يبتسم بثقةٍ زائفة، تدرك أن الله أمهلهم لحكمةٍ ، وأن الصبر الإلهي تمهيدٌ ليومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا جاه.

وقد قيل: “العدل بطيء الخطى، لكنه لا يخطئ الطريق.

الآية ليست تهديدًا فقط، بل هي تطمينٌ للمظلوم، وشفاءٌ للقلوب التي أرهقها التناقض بين الظاهر والباطن.

هي تُذكّرك أن الذي يسمع دبيب النملة في الليل، لن يُفوّت أنين المقهورين في الأرض.

فإذا رأيت ظالماً ينتشي بما فعل، فاعلم أن الله يُملي له ليزداد إثماً، ثم يأخذه أخذ عزيزٍ مقتدر.

 

لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدراً 

        فالظلم مرتعه يُفضي إلى الندمِ

تنام عينُك والمظلومُ منتبهٌ 

            يدعو عليك وعينُ الله لم تنمِ

 

كم من طغاةٍ بنوا عروشهم على الدموع، فابتلعهم التاريخ في غمضة عين!

وكم من أبرياء صبروا واحتسبوا، فرفعهم الله في لحظةٍ كانت تبدو مستحيلة!

الآية إذن ليست وعدًا بالعقاب فقط، بل تربية للضمير الإنساني على الإيمان بالعدل الأعلى، العدل الذي لا يُشترى ولا يُخدع، والذي لا تحجبه جدران القصور ولا يُعميه بريق الذهب.

فيا من ظُلمت فاصبر، فإن الله يرى.

ويا من ظَلمت فاتّق الله، فإن الله لا ينسى.

وتذكّر دائمًا أن ما بين الآيتين — “ولا تحسبن الله غافلاً” و “وما كان ربك نسيا” — يسكن اليقين كله بأن الله عادل، حاضر، لا يغيب، ولا يُهمل عباده أبدًا.

أبداً..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق