
بقلم: د. أوركيد يوسف
ليس الوسام الفرنسي الذي مُنح للدكتورة سعاد الصباح، برتبة ضابط من وزارة الثقافة الفرنسية، شارةً معدنية تُعلَّق على صدر سيرة مكتملة، بل هو توقيع رمزي من الثقافة الكونية على نصٍّ عربي طويل، بدأ قبل ما يقارب ستة عقود، وما زال يُكتب بصبر الشجرة وبعناد الموانئ.
هذا الوسام يأتي من عمق الاعتراف. اعتراف بأن الكتابة، حين تكون مشروع حياة، تتحول إلى جغرافيا، وحين تكون امرأةً، تصبح أكثر من صوت: تصبح تحوّلًا.
أن تنال امرأة هذا الوسام، فذلك يعني أن الثقافة العالمية تعيد ترتيب خرائطها الذهنية، وأن النص الأنثوي لم يعد هامشًا في هوامش السرديات الكبرى، بل نقطة ارتكاز.
المرأة هنا لا تُكافأ بوصفها امرأة، بل بوصفها منتِجة للمعنى، قادرة على تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب كوني، والذات إلى مرآة للإنسان.
إنه وسام يعترف بأن الإبداع لا جنس له، وأن القصيدة حين تُكتب بصدق، تتجاوز الجسد لتقيم في الفكرة، وفي القلق، وفي السؤال المفتوح.
وحين تكون المرأة خليجية، كويتية، فإن الدلالة تتضاعف.
فالخليج الذي عُرف في المخيال الغربي بوصفه اقتصادًا صامتًا، يقدّم عبر سعاد الصباح صوتًا ثقافيًا ناطقًا، لا يستجدي الاعتراف، بل يفرضه بعمق التجربة وتراكم العطاء.
هنا تتحول الكويت من موقع جغرافي إلى حالة ثقافية، ومن دولة صغيرة في المساحة إلى مساحة واسعة في الخيال الإنساني.
هذا الوسام يقول، بلا ضجيج: إن الخليج يكتب، وإن المرأة الخليجية ليست صدى، بل نصٌّ أصلي.
أما سعاد الصباح، فتكريمها ليس مكافأة على كتاب، ولا على ديوان، بل على مسار.
مسار كتب الشعر بوصفه مقاومة ناعمة، وكتب الفكر بوصفه مساءلة، وكتب الدعم الثقافي بوصفه إيمانًا بأن المبدع لا يعيش وحده.
ستون عامًا من الكتابة ليست رقمًا، بل زمنٌ داخلي، امتلأ بالأسئلة، بالانكسارات، بالمنفى، وبالعودة الدائمة إلى اللغة بوصفها وطنًا أخيرًا.
دعمت المبدعين لا بوصفها راعية، بل بوصفها شريكة في القلق، مؤمنة بأن الثقافة لا تُدار بالعناوين، بل بالرعاية الطويلة للنار الصغيرة التي اسمها الإبداع.
لهذا، فإن هذا الوسام لا يقف عند حدود الاسم.
إنه وسام لكل امرأة عربية اختارت أن تكتب بدل أن تصمت،
لكل امرأة خليجية خرجت من الصورة النمطية إلى فضاء السؤال،
لكل امرأة كويتية آمنت بأن الثقافة ليست ترفًا، بل مسؤولية.
وهو، في جوهره، وسام لكل شاعر، لكل مبدع، لكل من يصرّ على أن الكلمة قادرة، رغم هشاشتها الظاهرة، على أن تكون أقوى من السياسة، وأطول عمرًا من السلطة.
في النهاية، لا تُكرَّم سعاد الصباح لأنها وصلت،
بل لأنها لم تتوقف عن السير.
والوسام، هنا، ليس خاتمة،
بل فاصلة شعرية
في جملة لم تنتهِ بعد.
