
ماذا نسمي الدولة التي أطلقت حملة توسّع في بلدٍ مسلم، أغرقته بالقنابل والمتفجرات والوكلاء، ثم عند أول خسارة في مؤشرات الربحية انسحبت بطائراتها، تاركةً شركاءها المحليين يتشبثون بأجنحة الطائرات ويتساقطون في الهواء؟ أهي «إدارة مخاطر»، أم خروجٌ فوضوي من استثمار فاشل بلا مسؤولية اجتماعية؟
ماذا نسمي الدولة التي دخلت سوق بلدٍ عربيٍّ بصفقة عسكرية كاملة، ثم أنهت عقد رأس الدولة بالقبض عليه وتسليمه لشركاء محليين كي يُعدم في يوم عيدٍ ديني، وكأنها تصفية مدير تنفيذي فاشل لإرسال رسالة ردع لبقية الفروع؟ هل نسمي ذلك «حوكمة»، أم إدارة أزمات بدمٍ بارد؟
ماذا نسمي الدولة التي ترعى عصابةً محتلة كأنها شركة ناشئة متوحشة، تضخّ فيها التمويل والتغطية السياسية، لتنسف قطاعًا محاصرًا، وتحوّل البشر إلى أرقام خسائر، فتُقصف المدارس والمستشفيات والجامعات والشوارع وسيارات الإسعاف، وتغتال الأطباء قبل المرضى؟ هل هو «تحالف استراتيجي»، أم اندماجٌ عدائي مع مشروع إبادة؟
ماذا نسمي الدولة التي تحيك المؤامرات في الغرف المظلمة، تصنع التنظيمات بيد، وتحاربها باليد الأخرى،
تُدير شبكة معقّدة من المنظمات بالخفاء، تموّلها وتؤهّلها، ثم تعود لتحاربها في العلن، فتحرق المدن وتدمّر الموارد، في لعبة خلق الطلب ثم تدمير العرض لإعادة السيطرة على السوق؟ أهو «ذكاء جيوسياسي»، أم تلاعبٌ متعمّد بسلاسل القيمة البشرية؟
ماذا نسمي الدولة التي تُسوّق نفسها كعلامة تجارية للديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما سجّلها التشغيلي مليء بالانتهاكات، وحسابها الأخلاقي مثقل بديون لا تُسدد؟ هل نشتري الرواية الإعلانية، أم نراجع القوائم المالية للدمار واللاجئين والخراب؟
ماذا نسمي الدولة التي ترفع راية الديمقراطية بيد، وتخنق الشعوب باليد الأخرى، تطالب الضحية بضبط النفس، وبالتحضّر وهو تحت الركام، وبالهدوء وهو يسمع أبناءه يصرخون تحت الأنقاض؟ أهي معلمة القيم، أم أكبر محتكر لرأس المال البشري؟
ماذا نسمي الدولة التي أعادت تعريف «الإرهاب» كمنتج انتقائي،
الدولة التي قررت—بوقاحة فكرية نادرة—أن تحصر الإرهاب في الإسلام السني وحده، بينما تفتح أبوابها لكل دينٍ آخر، مهما بلغ حدّ السخف أو العبث أو الخرافة أو الشرك، بلا أي إشكال أو حرج؟ دولة لا تعادي الأديان، بل تعادي الدين الذي لا يقبل التدجين، الذي يرفض أن يكون طقسًا بلا موقف، وإيمانًا بلا مقاومة، وعقيدة بلا كرامة. أما ما عدا ذلك، فمرحبًا به: آلهة من ورق، وطقوس من دخان، وخزعبلات لا تزعج النظام العالمي.
أما الدين الذي يرفض الهيمنة، ويُنتج وعيًا مستقلًا، ويقاوم الاستحواذ، فيُصنَّف فورًا كتهديد أمني عالي الخطورة. أهي حرية أديان، أم إدارة مخاطر فكرية لا تسمح إلا بالعقائد غير القابلة للتحول إلى قوة؟
يقال إنها «أقوى دولة في العالم». لكن بلغة المال والأعمال، القوة التي تُقاس فقط بحجم الترسانة لا بالضمير، وبالنفوذ لا بالعدالة، وبالأرباح لا بالقيم، هي شركة عملاقة قصيرة النظر. والتاريخ—كأقسى مدقّق حسابات— لا يوقّع على بيانات حسابية كهذه، بل يعيد فتح الدفاتر حتى تُدفع الفاتورة كاملة.. بلا تأجيل ولا تقسيط!!
..
لمراسلة الكاتب
almasoudi20@yahoo.com
لمراسلة منصة أبواب:
upwaab5@gmail.com
..
