مقالات وبحوث
لاتُشمت بي الأعداء!!

بيده القوية التي قتل بها رجلاً -بمجرد أن وكزه- قبض موسى عليه السلام على شعر رأس أخيه هارون، وأمسك بلحيته ثمّ أخذ يجرّه معنّفا وموبّخاً، وهو في حالة غضب شديد..
فما كان من هارون إلا أن قال: ابن أمّ
«لا تُشْمِتْ بيَ الأعداء»
متجاوزاً ألم الجسد، والسحب العنيف من لحيته ورأسه، ذاهباً الى ألمٍ آخر، أعمق وأقسى: ألم الشماتة!
لأن شماتة العدو اكبر، وأثقل، إذ تأتي من عيون تترصد، وتتغذى على المشهد.
العنف قد يترك أثراً ما في الجسد،
أما الشماتة فتكسر شيئاً ما في الكرامة.
كسر يبقى أثره طويلًا، يجعل صاحبه مكشوفاً أمام متربص حقود.
وليس كل ما يُحتمل في السر يُحتمل في العلن.
فالوجع حين يُعرض أمام الآخرين، يتحوّل إلى لذّة خفيّة في نفوس مريضة.
عندها لا يعود الألم ألمًا شخصيًا، بل يصبح حكاية مشاعة.
أقسى الهزائم تلك التي تقع على النفس لا على الجسد، في الكلام الذي يُقال، في النظرات التي لا تُطاق، وفي الشماتة التي نسمعها ونحن في أشد لحظاتنا ضعفاً.
اللوم في حد ذاته ليس خطيئة، لكنه يفقد معناه حين يضلّ موضعه.
العتاب في العلن ليس إصلاحاً، بل فضحاً.
والمحاسبة التي تتم في غير وقتها لا تُصحح الخطأ، بل تُضاعفه.
أن تُعاتب أخاك أمام من ينتظر سقوطه، فذلك خروج عن قانون المودّة، إلى فوضى المشاعر وكشفُ ظهرٍ في ساحة رمي.
وأن تُعيب أختك أو زوجتك أمام صديقاتها أو قريباتها، أو ابنك امام اقرانه فذلك كسرٌ لا يُحتمل، لأن الكرامة لا تُجزَّأ.
فالنصيحة في الخفاء رحمة وفي الملأ إهانة، وليس كل مقام مقامَ كشف، ولا كل لحظة لحظةَ محاسبة.
أخوك مرآتك..
وإهانته أمام الغرباء ليست طعنًا فيه وحده، بل تشويهٌ لصورة القرابة نفسها.
فالقرابة حين تنكسر علنًا لن يجبرها اعتذار بارد،
والأعداء لا يصنعون الشماتة بأيديهم، هم ينتظرون اللحظة التي نقدّمها لهم جاهزة، بكلمة في غير محلها، أو موقف غير محسوب، أو عتاب علني.
إنها العيون التي تترقّب..
تنتظر لحظة التعثّر، لتقول: ألم نقل لكم!؟
ومن يكرهك لا يريدك أن تسقط فقط، بل يريد أن يتلذذ بسقوطك وهو واقف، آمن، متفرّج.
هنا تتحوّل المصيبة إلى عرض سينمائي،
ويصبح الألم مادةً متداولة،وتدخل الشماتة إلى الداخل ببطء، لتهمس:
أنت مكشوف الآن.
الشماتة لا تؤلم لأنها حقيقية، بل لأنها تُقال حين نكون في أضعف حالاتنا.
حين نكون وحدنا مع أوجاعنا، ووحدنا ندافع عنّا!.
حينها لا يتألّم الإنسان لأنه جُرح، لأنه جُرحه الذي ينتظر الشفاء أصبح مادة للتشفّي.
أما الغضب، في المقابل، فهو رسالة، لا ينبغي أن نردّ عليها برسالة أشد قسوة، ولا أن نُلغيها كأنها لم تكن.
قال له: «يا ابن أم»،
فقدّم رابطة قرب الأمومة قبل العتاب.
ومن فقه القلب أن تُطفئ نار الغضب قبل أن تناقش سببه.
فالإنصات لا يعني الاستسلام،
وقولك: أفهم غضبك لا يعني أنك سلّمت به،
بل يعني أنك أنقذت الحوار من الانهيار.
وأن ترفض الفعل بهدوء، فذلك ليس ضعفًا، بل حكمة من يعرف أن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ.
وقول هارون لم يكن خوفًا،
بل وعيًا عميقًا بأن بعض الجراح لا تحتمل المشاهدة.
وأن بعض الآلام إن خرجت إلى العلن تضاعفت!
(قيل لأيوب عليه السلام: أي شيء من بلائك كان أشد عليك؟
قال: شماتة الأعداء!)
تخيل أنها كانت أقسى من فقد الصحة والمال والولد والزوجة!!
تعوذوا بالله من شماتة الأعداء..
