
البحرين _ في أمسيةٍ استضافها «مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث» مساء الاثنين، 24 نوفمبر 2025، طرح الشاعر والروائي الأردني أيمن العتوم أسئلة تمس علاقتنا بفعلي القراءة والكتابة: كيف نقرأ قراءة منتجة في زمن متسارع؟ وكيف نكتب ونحافظ على أصالة الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي؟ إذ شكل هذان السؤالان مدخلاً لمحاضرته «القراءة المنتجة في زمن السرعة، والكتابة في زمن الذكاء الاصطناعي»، وهي محاضرة تستند إلى خبرة قارئ وكاتب قضى سنواته بين الكتب، والمخطوطات، والأسفار، وتقوم على وعي يحذر من وهم القراءة السريعة، ومن الاعتماد الكامل على الأدوات التقنية بوصفها بديلاً عن التجربة الإنسانية.
عبثية القراءة السريعة
بدأ العتوم بتفكيك ظاهرة «القراءة السريعة» من منظورٍ نقدي يستعيد جوهر فعل القراءة نفسه، مميزًا بين تحصيل المعلومة وبين التحول الذي يصيب الوعي حين تتراكم فيه خبرة القراءة العميقة، «القراءة السريعة مفيدة لمعرفة المعلومة، لكنها لا تغير الإنسان ولا تبني عقله؛ إنها كفراشة تلامس الصخرة ولا تترك فيها أثرًا»، لافتًا إلى أن الاكتفاء بتمرير العين على العناوين أو النصوص المقتضبة لا يحقق اتصالًا فعليًا بـ«عقل الكاتب وروحه»، بل يبقي القارئ عند سطح النص، خارج مساحته الجوهرية التي تُصقل فيها الأفكار ويتكون فيها الوعي.
ولهذا يدعو لـ«القراءة المنتِجة» كممارسة تقوم على التمهل والاستمرارية، مؤكدًا أن السرعة الطبيعية «من 30 إلى 40 صفحة في الساعة للقارئ المتمرس! إذ أن من يلتزم ساعة يوميًا من القراءة المعمقة، يقف على رأس هرم القراء في عالمنا العربي». وعلى هذا الأساس يبين العتوم أن قراءة كتاب كل عشرة أيام تعني ثلاثة كتب في الشهر، أي نحو 36 كتابًا في السنة؛ وهو نسق يتيح لمن يركز على حقل معرفي واحد أن يصير «خبيرًا فيه خلال خمس سنوات»، شرط أن تمضي القراءة بشكل منتظم، واعٍ، ومتعمق.
ولا يقف الأمر عند تقسيم الوقت، بل يتعداه لسؤال: لماذا نقرأ؟ إذ يميز العتوم بين ثلاثة أنماط: قراءة المتعة التي «تُزجي الوقت وتمنح قدرًا من اللذة، لكنها أقل أنواع القراءة فائدة»، وقراءة التثقيف التي تهدف لبناء معرفة متراكمة في موضوعات ما، ثم قراءة الكتابة، وهي الأعمق أثرًا، إذ «يقرأ الكاتب أحيانًا مائة كتاب ليكتب كتابًا واحدًا».
من أجل قراءة منتجة
لتحويل القراءة من فعلٍ عابر أو تسلوي لأثرٍ ممتد، يقدم العتوم أربع خطوات يعدها شروطًا لـ«إنتاجية القراءة». بدءًا من التلخيص؛ إذ يروي أنه لخص خلال سنوات دراسته الجامعية نحو ثلاثمئة كتاب، لا لغرض الحفظ فقط، بل لأن التلخيص ـ كما يوضح ـ ليس إعادة سرد للنص، بل إعادة بناء للفكرة داخل ذهن القارئ، حيث إعادة الإمساك ببنية النص، وتفكيك حججه، وإعادة ترتيب استنتاجاته.
أما الخطوة الثانية، فهي الحفظ، بما لتتكثف القراءة الذاكرة، «احفظ للجاحظ، والتوحيدي، ولابن المقفع، ولجرجاني…»، مؤكدًا أن الحفظ «كأس ماء تُلقى في بئر فارغة هي العقل، فكل كتاب نقرؤه يملأ هذا البئر ويطرد عنا الأوهام»، لكن العتوم لا يدعو إلى الحفظ الموسوعين وإنما اقتناص فقرات وأبيات «تهز القارئ»، ثم تثبيتها في الذاكرة لتصير جزءًا من لغته الداخلية.
وأما الخطوة الثالثة فهي المدارسة والمشاركة، أي الحديث عن الكتاب مع آخرين؛ القراءة التي لا تناقَش، في رأيه، معرضة للنسيان السريع، بينما «يثبت النقاش الأفكار الرئيسة، ويكشف فجوات الفهم، ويُنتج أسئلة جديدة»، من هنا تأتي أهمية النوادي القرائية، والجماعات التي تتشارك الكتب، لكن العتوم لا يستثني من لم يجد شريكًا للقراءة؛ فـ «بإمكان القارئ أن يحاور نفسه، أو حتى أن يقف أمام بئر مهجورة ويصرخ فيها بالأفكار التي قرأها». وأما الخطوة الرابعة، هي الاستمرارية؛ فمرة أخرى يصر العتوم على أن الإنجاز الحقيقي ليس في «انفجار شهرٍ نقرأ فيه ثلاثين كتابًا ثم نصمت»، وإنما في الانتظام على ثلاث كتب شهريًا لسنوات.
الكتابة والذكاء الاصطناعي.. تمثالٌ من حجر!
وفي الحديث عن الكتابة في زمن الذكاء الاصطناعي، يستحضر العتوم تحولات سابقة عاشها البشر تطور وتبدل وسائط المعرفة، محذرًا من الوقوف في وجه التطور وداعيًا لـ «مواكبة التطور مع استخدام حسن وأخلاقي للأدوات الجديدة»، إذ يرى العتوم أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون عونًا حقيقيًا للكاتب في ثلاثة مستويات أساسًا: تقصير طريق المعلومة، إلهام الأفكار، وتصحيح بعض الصياغات أو تلخيص النصوص.
كذلك يمكن لهذه الأدوات، في رأيه، أن تساعد الكاتب في توليد زوايا لمعالجة موضوع ما، أو اقتراح أساليب مختلفة للسرد، أو التكيف مع مستويات لغوية وزمنية متعددة، من الفصحى الكلاسيكية إلى اللهجات المعاصرة، غير أن كل ذلك ينبغي أن يبقى في حدود «شرارة الفكرة»، أما النص نفسه فلا بد أن يكتب بأسلوب صاحبه، وبحمولته الشعورية الخاصة.
في المقابل، يضع العتوم قائمة طويلة من المحاذير، يصف في مقدمتها «الخطأ في المعلومة» بوصفه «مقتلًا للكاتب» إذا سلم به بلا مراجعة، ويستشهد بسؤال قدمه بنفسه لأحد برامج الذكاء الاصطناعي عن العبارة الشهيرة «المتنبي وأبو تمام حكيمان إنما الشاعر البحتري»، فيجيبه البرنامج بأنها من كلام الشافعي، ثم ينسبها إلى كتاب «عيون الأخبار» لابن قتيبة، في سلسلة من الأخطاء التي تكشف كيف يمكن للآلة أن تركب جوابًا متماسكًا شكلًا، لكنه «خاطئ من الجذور».
إلى جانب ذلك، يحذر من إغراء الكسل والاتكالية لدى الطلبة والكتاب الذين يسلمون للآلة مهمة كتابة البحوث أو المقالات كاملة «بكبسة زر»، بما يُنتج نصوصًا «فارغة، ملساء، قد تستدعي الضحك حين تُقرأ؛ لأنها خالية من حرارة التجربة ومن خصوصية الأسلوب».
ويؤكد العتوم على الممكنات الواسعة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، لكنه يشدد في المقابل على ضرورة ضبط استخدامه ضمن حدود واضحة، بحيث لا يتجاوز اعتماد الكاتب عليه «نحو عشرة بالمئة» من جهده؛ أي في نطاق البحث عن موضع المعلومة أو استثارة فكرة أولية، مع الالتزام بمراجعة كل ما يورده من بيانات، وكتابة النص النهائي بلغة الكاتب وبصوته، فالآلة، كما يذهب، قد تُنتج «تمثالًا حجريًا بديعًا، دقيق التفاصيل، مدهشًا للعين، لكنها لا تملك أن تهبه روحًا».
لهذا يذهب العتوم إلى حد القول إن الذكاء الاصطناعي، مهما تقدم، «لن يقدر بعد خمسين سنة على خلق تلك اللحظة الإبداعية التي يخلقها الكاتب حين يلتقي وجعه بمعرفته في جملة واحدة»، وبذلك يرى إن ما ينتجه الذكاء الاصطناعي، «أشبه بتمثال من الشمع يكاد يكون حيًا، لكنه يذوب عند أول هبة نار».