مقالات وبحوث

جائزة سعاد الصباح للطفل الغزي المبدع

بقلم: علي المسعودي
في زمنٍ تتكاثف فيه النكبات وتُختبر فيه القيم الإنسانية اختبارًا قاسيًا، تبرز المبادرات الثقافية بوصفها فعلَ مقاومةٍ أخلاقي ومعرفي، لا يقل أثره عن أي فعلٍ آخر في مواجهة العنف والخراب. من هذا الأفق الإنساني العميق، أطلقت الدكتورة سعاد الصباح جائزة الطفل الغزي المبدع، بوصفها فعلَ احتضانٍ رمزي وفعلي لطفولةٍ جُرِّدت من أبسط حقوقها، وسعيًا لإعادة الاعتبار للإبداع بوصفه طاقة حياة، لا تُطفئها الحرب ولا تكسرها المأساة.

إن هذه الجائزة لا تُقارب الطفل الغزي بوصفه ضحية فحسب، بل بوصفه فاعلًا ثقافيًا قادرًا على تحويل الألم إلى معنى، والخسارة إلى تعبير، والدمار إلى خطابٍ جمالي وإنساني. فهي مسابقة مفتوحة لكل أشكال الإبداع: في الشعر والإلقاء، في الحكاية والسرد، في الاختراع والابتكار، في تجليات الصمود ومجابهة الحياة. وهذا الاتساع في أبواب المشاركة يعكس وعيًا عميقًا بأن الإبداع لا شكلَ واحدًا له، وأن الطفل في غزة لا يبدع رغم الجرح فحسب، بل من داخله.

لقد جاءت الجائزة بوصفها هدية مواساة وتشجيع في آن، لا تقوم على الشفقة، بل على الاعتراف. اعتراف بقدرة الطفل الفلسطيني على إنتاج الجمال والمعنى حتى في أقسى الظروف، واعتراف بأن الثقافة ليست ترفًا مؤجلًا لما بعد الحرب، بل ضرورة وجودية في قلبها. فالإبداع هنا يتحول إلى آلية نفسية وأخلاقية للصمود، وإلى لغة بديلة لمواجهة واقعٍ يعجز الوصف المباشر عن احتوائه.

ومن موقع القرب والمعايشة، يتضح أن هذه المبادرة ليست فعلًا عابرًا أو موقفًا خطابيًا، بل امتدادٌ طبيعي لتاريخ طويل من التفاعل الوجداني والإنساني للدكتورة سعاد الصباح مع القضية الفلسطينية. فقد كانت تتابع أحداث غزة يومًا بيوم، بأعصابٍ مشدودة وقلبٍ مرتجف، ودموعٍ تعلن انهمارها مع كل مشهدٍ موجع. هذا التفاعل لم يكن انفعالًا عاطفيًا مجردًا، بل وعيًا أخلاقيًا يرى في الصمت تواطؤًا، وفي الفعل الثقافي مسؤولية.

ويكتسب هذا الموقف بعدًا إضافيًا حين نضعه في سياق تكريم فرنسا لها بمنحها وسامًا رفيعًا من وزارة الثقافة تقديرًا لعطائها الثقافي والفكري. حين اعتذرت عن تسلمه وقت الإبادة الصهيونية وطلبت تأجيل تسلّم الوسام إلى حين انتهاء الحرب المجنونة والظالمة، كانت تُعلن — دون خطابٍ صاخب — أن القيم لا تُجزّأ، وأن التكريم الحقيقي لا يكتمل في ظل نزيفٍ إنساني مفتوح. لقد حوّلت لحظة الاحتفاء الشخصي إلى موقفٍ أخلاقي عام، مؤكدة أن الثقافة، إن لم تعلن انحيازها للإنسان في محنته، تفقد معناها.

إن جائزة الطفل الغزي المبدع ليست مجرد مسابقة، بل وثيقة أخلاقية تشهد على أن الثقافة قادرة على أن تكون فعلَ تضامنٍ حي، وأن الإبداع يمكن أن يكون شكلًا من أشكال العدالة الرمزية. وهي في الوقت ذاته رسالة إلى العالم بأن أطفال غزة ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار، بل ذواتٌ خلاقة، تحمل في داخلها بذور المستقبل، مهما بدا الحاضر قاسيًا.

بهذا المعنى، تواصل الدكتورة سعد الصباح ترسيخ نموذجٍ للمثقف، الذي لا يكتفي بالإنتاج المعرفي، بل يربطه بالفعل الإنساني، ويجعل من الثقافة جسرًا بين الألم والأمل، وبين المأساة وإمكانية تجاوزها. وفي ذلك، تكمن القيمة الأعمق لهذه المبادرة: أنها تكتب اسم الطفل الغزي في سجل الكرامة الإنسانية، بحبر الإبداع، لا بدموع الفقد وحدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق