مقالات وبحوث
فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان

هل تأملت يوماً في عدالة هذا التعبير الإلهي؟
إنها ليست مجرد آية في أحكام الزواج، بل قانون حياة يمكن أن يُطبَّق على كل علاقة، وكل مكان، وكل شعور.
فالله لا يريد للإنسان أن يعيش التعلّق المريض، ولا القطيعة القاسية، بل يريد له أن يوازن بين الإمساك الجميل والفراق الكريم.
في الصداقة، في الزواج، في العمل، في كل رابطة تجمع بين قلبين أو عقلين، يضع الله معياراً واضحاً: إما إمساك بمعروف، أي بخلقٍ ورضا وصدقٍ وكرامة، وإما تسريح بإحسان، أي بانفصال راقٍ لا تشوبه مرارة ولا انتقام، فلا معنى لعلاقة تستمر بالإجبار، ولا فضل في انفصالٍ يتعمّد الإيذاء.
المعروف والإحسان قيمتان متفقتان في الاتجاه، متفقتان في النبل. الأولى تُزيّن البقاء، والثانية تُحسّن الوداع.
كم من الناس يمسكون بغير معروف؛ فيحبسون الطرف الآخر في دائرة الخوف أو الحاجة أو الذنب..
وكم من أناس يسرّحون بغير إحسان، فيتركون وراءهم خراباً في النفوس والكلمات.
بين هذين النقيضين يضيع الجمال الإنساني الذي أرادته الآية.
هناك مدنٌ وأماكنٌ كنا ننتمي إليها، ثم غادرناها. إما أن نمسك بها بمعروف؛ نحفظ لها فضلها وجمالها في الذاكرة، وإما أن نسلّمها بإحسان؛ نتركها دون حقد أو نكران.
حتى الذكريات القديمة تستحق هذا المبدأ؛ فلا نلوّث الجميل بالحنين الموجع، ولا نحرق الجسور التي عبرناها يوماً.
إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان هو أسلوب راقٍ في إدارة الذاكرة قبل أن يكون في إدارة العلاقات.
كم من مشاعر تستحق أن نُمسك بها بمعروف، أي بوعيٍ واتزانٍ لا بانفعالٍ واحتياج، وكم من مشاعر يجب أن نُسرّحها بإحسان، أي بسلامٍ دون جلدٍ للذات أو قسوةٍ على القلب، فالحب لا يُقاس بطول بقائه، بل بجمال أثره بعد الرحيل.. إذا انتهى، فلينتهِ بنُبل، لا بندم.
الحياة تُعطينا أدواراً، أشخاصاً، وأماكن، ثم تسحبها منا.
والمؤمن الواعي لا يتشبث بما مضى، ولا يقطع بجفاء، بل يعيش المعنى القرآني في سلوكه اليومي: إذا أمسك فبمعروف، وإذا ترك فبإحسان.
بهذا فقط نحافظ على كرامتنا الداخلية وننشر حولنا السلام، فالمعروف والإحسان ليسا مجرّد قيمتين أخلاقيتين، بل هما من فنّ إدارة الارتباط والانفصال في كل شيء.
هذه الآية تصلح لأن تترك معناها في كل بيت، وكل مؤسسة، وفي قلب كل إنسان، أي أن نمسك بمعروف حين يكون البقاء خيراً، وأن نُسرّح بإحسان حين يصبح الفراق حتمياً.
وبين المعنيين يسكن جمال الإنسان، وعدل الله في العلاقات.
