مقالات وبحوث

سوريا تعود إلى المشهد الدولي وثقافةٌ تُبنى على ضوء الدبلوماسية الجديدة

بقلم وزير الثقافة محمد ياسين صالح:

لم يكن صباح زيارة السيد الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن حدثاً عابراً في سجلّ السياسة الدولية؛ بل كان إعلاناً واضحاً عن عودة سوريا إلى مكانتها الطبيعية على خارطة القرار العالمي.

عودةٌ طال انتظارها، لكنها جاءت هذه المرة ممهورةً بدماء الشهداء، وصبر الشعب، وتكاتف القوى الوطنية التي آمنت أنّ بناء الدولة الحديثة لا يتم إلا على قواعد الكرامة والسيادة والحرية.

بقيت اللحظة التي كان فيها فخامة الرئيس الشرع، ومن قلب البيت الأبيض، يعيد صياغة الحضور السوري في أروقة السياسة الكبرى علامة فارقة في الوجدان السوري، ثم جاءت لحظة أخرى كان فيها معالي وزير الخارجية أسعد الشيباني يرفع العلم السوري في سماء لندن، في زيارة حملت أكثر من دلالة: دلالة وجود، ودلالة ثقة، ودلالة مستقبل يُكتب بمداد جديد.

كان المشهد بمثابة استعادة رمزية لصوت الشعب الذي خرج قبل سنوات مطالباً بدولة حقيقية، فإذا بالأحلام الكبرى تتحقق تباعاً، ويتحوّل الهامش إلى مركز، والصوت المخنوق إلى خطاب دولي مسموع ومحترم.
ومع هذا الانفتاح السياسي والدبلوماسي، بدأت رسائل ثقافية عميقة تتجلى في طريقة تعاطي الدولة مع الأحداث وفي قرب الحكومة من الشارع السوري الذي ظلّ لعقود يبحث عمّن يشبهه ويخاطب همومه.

اليوم، لم تعد الثقافة ترفاً، بل أصبحت حجر الزاوية في النهضة السورية.

وفي هذا الإطار، نطلق رسائل لا تقلّ أهمية عن التفوق الدبلوماسي ذاته:

أولًا: رسالتنا إلى المثقف:

لا إطار يقيّد ولا حدود تعيق دور المثقف عن خدمة بلده، إنما هي دعوة مفتوحة لكل مثقفي سوريا للإسهام والمشاركة في بناء الثقافة السورية الجديدة، إنتاجاً ومؤسسات، أدباً وفكراً وفناً ينتعش في مناخ جديد، ويقف في وجه المشوشين والداعين إلى الانهيار، واستكمالاً لدور سوريا الحضاري وتأثيرها على محيطها وعلى العالم.

ثانياً: رسالتنا للأساتذة والمعلمين وطلاب العلم:

لعمرك ما الأبصار تنفع أهلها إذا لم يكن للمبصرين بصائر.

إنّ عصر الدولة الجديدة هو عصر التفكير النقدي، لا تسمح لفكرة أن تتسلل إليك من دون محاكمة وتحقيق، لقد انتهى زمن التلقين وبدأ زمن المعرفة الممحّصة.

ثالثاً: رسالتنا لخطباء المساجد:

استجاب معالي وزير الأوقاف منذ اللحظة الأولى لضرورة أن تعكس المنابر أوجاع الناس، وأن يكون صوت المجتمع حاضراً في كل خطبة إلى أن تكتمل عملية التعافي.

فالدين، كما الثقافة، جزء من نسيج الوعي العام ولا يمكن فصله عن واقع المجتمع ومعاناته.

رابعاً: رسالتنا للفنانين:

أنتم أوصياء الهوية.. أنتم مرآة الروح السورية، في أيديكم ذاكرة هذا الشعب العريق وبصمته الحضارية.

وأي نهضة ثقافية لا يكتمل بناؤها إلا بكم، وبالتزامكم دورَكم الجمالي والأخلاقي في رسم ملامح سوريا الجديدة.
ولأن الحديث عن الحاضر لا ينفصل عن الماضي، فإنّ ما كنا نحلم به قبل سنوات لم يكن سوى إسقاط نظامٍ دمّر البلاد وأهان العباد؛ نظامٍ جعل من الجيش أداةً للبراميل، ومن الأمن مصنعاً للترويع والنهب والتعفيش.

وقد تحقق ذلك، وزاد عليه حلمٌ رابع: نواة دولة حقيقية يتشرف بها السوريون.

واليوم، يرى العالم كله أن الدور الذي يلعبه فخامة الرئيس أحمد الشرع استعاد السردية السورية الأصيلة، وقلب المعادلة، وأعاد سوريا إلى مكانتها الطبيعية بين الأمم.
عام واحد فقط بعد التحرير.. ولكن بحجم عقود من الإنجاز
على الرغم من أن التحرير لم يمضِ عليه سوى أقل من سنة، فإنّ الإنجازات التي حققتها الدولة فاقت إطارها الزمني، وفي معرض هذا الحديث أنتهز فرصة للحديث عن الحراك الثقافي الذي قد أستطيع تلخيصه بما يلي:

دولياً:

. حضور بارز في قطر والسعودية وتركيا وإندونيسيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا.

. معارض، وقمم دولية، وشراكات، وتوءمة ثقافية تعيد وصل الثقافة السورية بالعالم.

محلياً:

. مشاركة لافتة في معرض دمشق الدولي بجناح جسّد حضارات سوريا المتعاقبة.

اجتماعياً:

. إطلاق مبادرة “النظافة ثقافة” وتحولها إلى حملة وطنية.

. إطلاق “أربعاء حمص” وانتقالها إلى كل المحافظات كعدوى إيجابية جسدت ثقافة العطاء لدى شعبنا الأصيل.

ثقافياً:

. تفعيل المكتبة الوطنية وانطلاق ملتقى الكتّاب السوريين وملتقى الحكاية السورية.

. إطلاق مبادرة القراءة والحافلة الثقافية ترسيخاً لمبدأ العدالة الثقافية.

. دعم الهيئة العامة السورية للكتاب وإحياء مشاريع الطباعة والنشر.

فنياً:

. استمرار الحراك الأسبوعي في دار الأوبرا والعمل على برنامج إصلاح إداري شامل يطول الدار والمعاهد.

آثارياً:

. افتتاح متحف اللاذقية وقلعة حلب، واستعادة آلاف القطع الأثرية.

. إطلاق مشاريع ترميم واسعة بالشراكة مع دول ومنظمات صديقة.. إطلاق مشروع تطوير البنية التحتية للمتحف الوطني وجرد محتوياته ورفع مستوى منظومات الأمن وسلامة المقتنيات وحفظها بعد أن ورثنا بنية متهالكة تقنياً وإدارياً تحتاج إلى عمل يومي طويل الأمد لتجديدها بالكامل.

سينمائياً:

. إصلاح إداري شامل، وتفعيل دور السينما بعد تحريرها من عبث النظام المخلوع.

. إقامة تظاهرة أفلام الثورة السورية تكريماً لذاكرة الشعب وشرعية قضيته.

في المحافظات:

. تفعيل المديريات الثقافية في حلب وإدلب وحمص ودير الزور ودرعا ودمشق وريف دمشق، مع عمل حثيث على ترتيب البيت الداخلي لثقافة اللاذقية وطرطوس وحماة، إلى أن تلائم الظروف للحضور في كل محافظات الوطن الحبيب

مبادرات دولية:

. إطلاق مهرجان أيام البردة بمشاركة واسعة.

. التحضير لانطلاق النسخة الأولى من معرض دمشق الدولي للكتاب بعد التحرير.

لقد نفضت سوريا غبار الحقبة البائدة، وعادت إلى العالم دولةً فاعلة لا تابعة، صانعةً لا منفعلة، قويةً بتراثها وثقافتها وشعبها وإرادتها.

واليوم، تقف بلادنا لتقول بثقة:
من كان فوقَ محلِّ الشمسِ موضعُهُ فليس يرفعه شيءٌ ولا يضعُ
هذه هي سوريا الجديدة.. سوريا التي تستعيد مكانتها وتطلق نهضتها، ثقافياً وسياسياً، لتكون منارةً للعلم والمعرفة والأصالة كما كانت عبر التاريخ، وكما ستبقى.

  • نقلا عن صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق