مقالات وبحوث
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك

في هذا الحديث النبوي القصير اللفظ العظيم المعنى، يضع النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة ذهبية في السلوك الإنساني: أن تزن أفعالك بميزان الطمأنينة لا الاضطراب، وأن تختار الوضوح على الغموض، والصفاء على الريبة.
إنه مبدأ يجمع بين صفاء الإيمان وحكمة التجربة، بين إشراق الروح ونضج العقل.
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: «معناه: اترك ما تشك فيه، وخذ ما لا شك فيه؛ فالصدق طمأنينة والكذب ريبة.»
بهذا المعنى يصبح الحديث دعوة إلى النزاهة في التفكير، وإلى الإقامة في فضاء الصدق، حيث لا تضيع النفس في غابات الظنون، ولا يختلط الحق بالباطل.
أما ابن القيم فكتب في مدارج السالكين: «الريبة اضطراب القلب، والطمأنينة سكونه، والعبد لا يسكن إلا إذا وافق فعله رضا الله ورضا ضميره.»
فالقلب عند ابن القيم مرآة دقيقة؛ إذا غشاها الشك تكدّر فيها النور، وإذا صفا عاد يرى الحقيقة بوضوح لا يحتاج إلى برهان.
من زاوية فلسفية، يلتقي هذا القول النبوي مع ما ذهب إليه سقراط حين قال: «اعرف نفسك.» لأن معرفة النفس هي الطريق إلى معرفة ما يريبك وما لا يريبك، فحين تصغي إلى أعماقك تدرك متى يكون الشك صوت الخطر، ومتى يكون الوهم ظلًا للظنون.
وفي فلسفة كانط، يُعبّر المبدأ نفسه عن “الواجب الأخلاقي” الذي يوجّه الفعل لا بمقدار ما يربح الإنسان، بل بمقدار ما يرضى عنه ضميره الحر.
ويقول الأديب الروسي تولستوي: «السلام لا يأتي من الخارج، بل من طمأنينة القلب.»
وهكذا يتضح أن «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ليست مجرد وصية دينية، بل قانون إنساني شامل، يحرّر الإنسان من التردد والازدواج، ويعيد إليه بياض القلب وصفاء الفكر.
إنّنا اليوم أحوج ما نكون إلى هذا التوازن: في زمن تختلط فيه الأصوات، وتتعدد فيه الحقائق، وتتآكل الثقة.
حينها يصبح هذا الحديث منارة داخلية؛ يقول لك في لحظة القرار:
توقف، استمع إلى صوتك الداخلي، هل فيك طمأنينة أم ريبة؟
فإن وجدت الطمأنينة، فامضِ، وإن وجدت الريبة، فارجع؛ فالله لا يُعبد على قلق، ولا تُبنى الحياة على شك.
قال الجاحظ في البيان والتبيين: «إن اليقين طمأنينة القلب، والشكّ مرض اللسان والعقل.»
وقال جبران خليل جبران:
«بين الشكّ واليقين، يسكن الإنسان، فإذا اختار الطمأنينة، أدرك معنى الإيمان.»
وهكذا، في بضع كلمات من نور، علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الحكمة ليست في كثرة السؤال، بل في صفاء الجواب، وأن القلب الذي يعرف السكون إلى اليقين، هو قلب يعيش على مرمى البصيرة، لا على ضفاف الشك.
