مقالات وبحوث
“لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ”

يا لَها من آيةٍ تُطفئ في القلبِ شراراتِ الحسد، وتسكبُ في الضلوع ماءَ القناعة.
صوتٌ نازلٌ من مقامِ الطمأنينة يقول: لا تُطل النظر إلى ما في أيدي الناس، فإن ما عند الله خيرٌ وأبقى.
ليست نهيًا عن النظر، بل عن الافتتان.
ليست أمراً بإغماض العين، بل بتطهير القلب من الوميض الكاذب الذي يلمع في متاع الدنيا.
إنها تُعيد الإنسان إلى مركزه الحقيقي في الوجود، إلى مقام الشكر والتوازن، فلا يُرهقه الركض خلف السراب، ولا يُعميه بريق الزائل عن بصيرة الباقي.
“لا تمدنّ عينيك”.. لأن العين إذا امتدت امتدّ معها القلب، وإذا امتدّ القلبُ ضاعَت السكينة.
ما أكثر الذين أضاعوا أعمارهم في النظر إلى ما لا يملكون، حتى لم يبقَ لهم وقتٌ ليحمدوا ما يملكون.
العينُ التي تمتدّ بلا قناعةٍ تُصبح قيدًا، والعينُ التي تكتفي بما قسم الله تُصبح نافذةً على الجنة.
من لا يرضى بالقليل، لن يرضى بالكثير.
والحكيم العربي قال: القناعة كنزٌ لا يفنى.
“لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه”.
يا إنسان، لا تغترّ بزخرفٍ ولا تتهافت على بريقٍ، فلك في نفسك مملكةٌ أوسع من الدنيا.
اجعل بصرك إلى الأعلى لا إلى الخارج، إلى السماء لا إلى الأسواق، إلى ما يُحيي روحك لا ما يُلهيها.
فمن رأى النور في صدره، لم يفتنه الضوء في غيره.
في هذه الآية يقف الإنسان على حدٍّ فاصلٍ بين الرغبة والرضا، بين اللهاث والسكينة.
إنها دعوة إلى أن يعيش القلب في توازنٍ مع الوجود، فلا يطغى الطموح على الحمد، ولا تُغشي المادةُ بصيرة المعنى.
هي آية تُعيدك إلى الداخل، حيث لا يحتاج الجمال إلى مرآة، ولا يحتاج الغنى إلى ذهب.
“لا تمدنّ عينيك”.. لا تسرق من نفسك نورها حين تلهث خلف زخارف عارضة.
إن ما يُدهشك عند الآخرين قد يكون امتحانهم، وما تُبصره في يدك هو رزقك المرسوم بعنايةٍ.
ومن عرف ذلك، نام قرير العين، حتى ولو كان فقير الجيب، لأنه غنيّ القلب.
الآية مدرسةٌ في الزهد العاقل، لا الزهد السلبي؛
زهدٌ يُعلّمك أن تمتلك الأشياء دون أن تمتلكك، وأن تضع الدنيا في يدك لا في صدرك،
فإذا زادت لم تفرح، وإذا نقصت لم تحزن، لأن عينك معلقةٌ بما عند الله.
يا قارئَ هذه الآية،
كُن كمن يرى في ما عنده كمالًا، وفي ما عند الناس امتحانًا،
واذكر دائمًا أن العين التي لا تمتدّ،
تبقى نقيّةً ترى الحكمة في كلّ ما تنظر إليه.
