القضية الفلسطينية في تجربة الدكتورة سعاد الصباح تمثل في شعرها خصوصا وخطابها الثقافي عموما، بنية وجدانية متجذّرة في التكوين الأول، تشكّلت مبكرًا، ثم نمت مع الوعي، وتحولت مع الزمن إلى مشروع حياة، تداخل فيه الشعر بالفعل، والعاطفة بالموقف، والرمز بالالتزام التاريخي. ومن خلال قراءة متأنية لمسيرة الإنسانة والشاعرة، تتكشف لنا مواقف متصلة، تبدأ من لحظة طفولة يعتريها شيء من الطرافة، وتنتهي عند مواقف سياسية وثقافية وإنسانية ناضجة، لا تزال تتجدد حتى اليوم.
من أعمق المشاهد التي تؤسس لفهم علاقة سعاد الصباح بفلسطين، تلك الحكاية الطفولية التي ترويها بنفسها، حين كانت تظن أن “فلسطين” امرأة تنافس أمها في قلب أبيها. كانت تسمع الاسم يتردد في البيت، مقرونًا بالحزن والدموع، فتشتعل في داخلها غيرة طفلة لا تفهم بعدُ طبيعة العالم.
تقول في استرجاعها لهذه اللحظة إن اسم فلسطين كان يتكرر عبر الراديو، في سياق أخبار مشحونة بالكلمات: وعد بلفور، بريطانيا، إسرائيل، حتى اكتشفت لاحقًا أن هذه “المرأة” ليست شخصًا، بل قضية، وطن مغتصب، وجرح إنساني مفتوح .
هذه اللحظة تتجاوز فكرة الذكرى المجردة ، لتمثل لحظة تأسيس للوعي: انتقال من الحس الشخصي إلى الإدراك القومي، ومن الغيرة إلى الانتماء. ومن هنا يمكن القول إن فلسطين عند سعاد الصباح لم تكن فكرة مكتسبة، بل تجربة شعورية سبقت الوعي، ثم نضجت داخله.
مع دخولها مرحلة الشباب، لم تترك الشاعرة هذا الوعي في حدود العاطفة، وانما ترجمته إلى فعل مباشر. ففي أوائل الستينيات، حين أصدرت ديوانها الشعري الأول، بادرت إلى تخصيص ريعه لصالح دعم القضية الفلسطينية، في خطوة تحمل دلالتين أساسيتين:
1. تحويل الإبداع إلى موقف: فالشعر هنا ليس ترفًا، بل أداة التزام.
2. إدراك البعد الرمزي للفعل الثقافي: إذ لم يكن الدعم ماديًا فقط، بل إعلان انحياز واضح في لحظة تاريخية مبكرة .
كما انخرطت في دعم العمل الفلسطيني ميدانيًا، من خلال نشاطها في القاهرة، حيث شاركت في اجتماعات مع شخصيات فلسطينية وعربية، وأسهمت في دعم الهلال الأحمر الفلسطيني، بل وقدّمت تبرعات شخصية كبيرة، من بينها التبرع بسيارتها لصالح القضية في ذلك الوقت الذي كانت طالبة جامعية.
وإذا كان المال أحد أدوات الدعم، فإن القلم كان السلاح الأعمق والأبقى في تجربة سعاد الصباح. فقد واكبت مختلف محطات الصراع الفلسطيني ضد الكيان الصهيوني المحتل عبر مقالاتها، وقصائدها التي اتسمت بصلابة الموقف ووضوح الرؤية.
فعقب العدوان الإسرائيلي على تونس عام 1985، كتبت سلسلة مقالات كشفت فيها طبيعة التمدد الإسرائيلي، محذّرة من تحوله إلى نمط اعتيادي في استهداف العواصم العربية . كما تناولت العمليات الفدائية بوصفها تعبيرًا عن إرادة الحياة، لا مجرد حدث عسكري… كما كان لها دور فاعل في نكسة 1967 وحرب العبور عبر دعم المجهود الحربي وتوفير الاسعافات الطبية للجرحى من المقاتلين المصريين والعرب في جبهات المواجهة.
وفي هذا السياق، يظهر بوضوح أن كتابتها لم تكن انفعالية، بل تحليلية أيضًا، تربط بين الحدث وسياقه، وتقرأ المستقبل في ضوء المعطيات الراهنة.
وقد شكّلت انتفاضة الحجارة التي انطلقت عام 1987 نقطة تحول في خطاب سعاد الصباح، حيث انتقلت من الكتابة عن القضية إلى الكتابة من داخلها. ففي سلسلة مقالات وقصائد نشرتها لمواكبة ذلك الحدث العالمي، وصفت أطفال الحجارة بأنهم “أساتذة”، يتعلم منهم العرب معنى المقاومة، معتبرة أن الحجر يمكن أن يتحول إلى طاقة نور، وأن الشعوب المقهورة قادرة على ابتكار أدواتها الخاصة للنضال .
كما أبدعت ملحمتها الشعرية «سيمفونية الأرض»، التي جسّدت الانتفاضة بوصفها حدثًا كونيًا، لا فلسطينيًا فقط، حيث تحولت الأرض إلى كائن حي يتكلم ويقاوم.
ولم يتوقف دعمها عند حدود المقالة أو القصيدة، بل اتخذ شكلًا مؤسسيًا واضحًا. ففي عام 1989، أطلقت جوائز للإبداع الفلسطيني، شملت الأطفال والشباب والمؤسسات الثقافية، بهدف:
* دعم الهوية الثقافية الفلسطينية
* تعزيز الصمود الداخلي
* تشجيع الإبداع بوصفه شكلًا من أشكال المقاومة
كما أسهمت في إنشاء مؤسسات خيرية، ودعمت التعليم، وكفالة الأيتام، وبناء مدارس ومراحز علمية وشاركت في وقفية القدس، ما يعكس انتقالها من الفعل الفردي إلى العمل المنظم طويل الأمد.
في مرحلة التسعينيات وما بعدها، تابعت د. سعاد الصباح مسار المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية بنظرة نقدية حذرة. فقد رأت أن بعض اتفاقيات السلام تحمل في ظاهرها وعودًا، لكنها في جوهرها قد تؤدي إلى تكريس الهزيمة.
وحذرت من “مكافأة القاتل”، ومن الانزلاق نحو قبول الأمر الواقع تحت مسمى السلام، مؤكدة أن المقاومة ليست إرهابًا، بل حق مشروع لشعب واقع تحت الاحتلال .
تحتل القدس في شعر سعاد الصباح موقع القلب من القضية. فهي ليست مدينة فقط، بل رمز للهوية والكرامة. وفي قصيدتها “قصيدة الغضب”، تصرخ:
يا بلادي… إن في الأقصى
أطفالًا يموتون… وعرضاً يُغتصب
اغضبي أيتها الأرض…
فإن الأرض لا يفلحها إلا الغضب
هنا يتحول الشعر إلى صرخة أخلاقية، وإلى دعوة للوعي، وإلى محاولة لإيقاظ الضمير الجمعي.
ولم يكن موقفها من فلسطين تاريخيًا فقط، بل ظل حيًا ومتجددًا. ففي السنوات الأخيرة، ومع تصاعد معاناة غزة، واصلت دعمها عبر:
* المبادرات الثقافية
* الدعم الإنساني
* إطلاق مسابقات إبداعية لأطفال غزة
ومن أبرزها مسابقة سعاد الصباح للطفل الغزي المبدع، التي أقيمت سنوات مريرة من التشريد والتدمير والقتل الممنهج الذي مارسه الكيان ضد قطاع غزك، فكانت مناسبة مبهجة جمعت بين التكريم الإنساني والرعاية الثقافية، في مشهد تختلط فيه فرحة الأطفال بدموع الأمهات، ليبقى الأمل حاضرًا رغم الألم.
ما يميز تجربة د. سعاد الصباح أنها لم تفصل بين السياسي والإنساني. فهي لم ترَ في فلسطين مجرد قضية قومية، بل مأساة إنسانية، تتجلى في: الطفل الذي حُرم طفولته، الأم التي فقدت أبناءها، والإنسان الذي يعيش تحت الحصار
ولذلك كانت تقول للفلسطينيين: أنا معكم بجهدي ومالي وشعري ودموعي، وهي عبارة تختصر فلسفة كاملة في الالتزام.
إن تتبع مسيرة سعاد الصباح يكشف أن فلسطين تجاوزت فكرة ان تكون مجرد محطة في حياتها، لتصبح طريقاً ناظمًا لكل مراحلها. من طفلة تغار من “امرأة اسمها فلسطين”، إلى شاعرة تهب شعرها لها، إلى مثقفة تدعمها بالمؤسسات والمال، إلى صوت عربي يصرخ في وجه الظلم.
إنها تجربة تؤكد أن الأدب حين يلتقي بالوعي، يتحول إلى فعل، وأن الكلمة حين تصدق، تصبح جزءًا من التاريخ.
وفي زمن تتغير فيه المواقف، تبقى سعاد الصباح نموذجًا للثبات، حيث لا تزال ترى — كما قالت — أن الورد سيطلع من تحت الخراب، وأن فلسطين ستبقى، ما بقي في هذه الأمة قلب ينبض.



