مقالات وبحوث
“رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ”

هناك أدعية.. تفتح نافذة داخل الروح، يدخل منها ضوءٌ خفيف يشبه أول الفجر، ويوقظ في القلب قدرةً على الحياة لم نكن نعرفها.
ومن بين هذه الأدعية، يشرق هذا النص النبوي العميق، كأنه تنهيدة راحة في صدر إنسان أتعبه الحمل الثقيل:
“رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ.”
هذا الدعاء ليس كلامًا…
إنه صدى قديم لضعف الإنسان وحنينه إلى قوة من فوق هذا العالم الذي يراه ويتعامل معه
يا رب… أعنّي لأقوم على قدمي في هذا الكون
حين يقول القلب: “رب أعنّي”، فكأنه يعترف بأن فيه شقوقًا لا تملؤها عزيمته، وأن القوة التي نظنها بأيدينا ليست سوى ظلّ قوةٍ أكبر.
قد لا نطلب العون كي نغلب الآخرين…
بل كي نغلب تلك المساحات المعتمة فينا، التي تتثاقل، وتتسرّب إلى الروح في اللحظة التي نحتاج فيها إلى الضوء.
“ولا تُعن عليّ”…
أي لا تجعل ضعفي سيفًا عليّ، ولا تجعل غفلتي بابًا أخرج منه إلى هزيمتي بنفسي.
كأن الإنسان هنا يستجير من نفسه… قبل أن يستجير من الآخرين، فثد يكون عدوّك في داخلك وأنت لاتدري!
وانصرني… لا على الأعداء في الخارج فقط، بل على تلك المعركة التي في صدري
النصر الحقيقي أن تُهزَم مخاوفك، وأن تُطفأ تلك النار الخفية التي تأكل العمر ببطء.
كل إنسان يخوض معركة لا يراها أحد.
وكل دعاء “انصرني” هو في الحقيقة رجاءٌ:
يا رب، اجعلني أقوم من هزائمي سليماً، وأقوى ممّا كنت.
“ولا تنصر عليّ”… همسة من روح تعرف أن أكثر السقوط يأتي من الداخل، وأن الله إذا وُكِل الإنسان إلى نفسه لحظةً واحدة، ضلّ طريقه وهو يظن أنه على الجادّة.. فالهزيمة النفسية هي أقسى أنواع الهزائم.
(وامكر لي)… اجعل تدبيرك لي أعمق من ظني.
المكرُ الإلهي…
رحمةٌ تُدبّر من وراء ظلال الأشياء.
أحيانًا يُغلق بابٌ كنا نستميت لفتحه، ونظن أن في ذلك ضيقًا، بينما كان ذلك إنقاذًا مؤجَّلًا من سماء تعرف ولا نعرف.
“وامكر لي”… أي:
افتح لي الطرق التي لا أراها، وأبعد عني الشر ولو جاءني يرتدي رداء نعمة.
(واهدني)… فإن الطريق طويل، والنفس مُلتبِسة
الهداية ليست دائماً ضوءًا فجائيًا…
إنها مثل شروق الشمس: تبدأ بخيطٍ لطيف، ثم تتسع حتى يصبح القلب قادرًا على الرؤية.
“ويسّر الهدى إليّ” — لأن الهداية وحدها قد لا تكفي…
يجب أن تُيسَّر، وأن تجد في القلب أرضًا لا ترفض النور، ولا تنفر من الحقيقة.
(وانصرني على من بغى عليّ)… على من ظلمني، وعلى من اختبأ ظلمه في لطفه.. ومن خبأ مكره في ابتسامته
هناك بغيٌ يأتي بسيف،
وبغيٌّ يأتي بكلمة،
وبغيٌّ آخر يجيء بصمتٍ مؤذٍ.
وفي كل هذه الأشكال، يبقى الإنسان صغيرًا أمام الظلم إذا لم تسنده يدُ مم السماء.
هذا الدعاء لا يطلب الانتقام، بل يطلب العدالة…
يطلب النجاة…
لا يطلب أن يسقط الآخرون، بل أن يثبت هو دون أن ينكسر.
هذا التضرّع النبوي العميق… فنّ من فنون النجاة الروحية.
يعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى:
مخلوق يحاول، يسقط، ثم ينهض، ثم يطلب يدًا لا تتعب من حمله.
وفي كل جملة منه، ينبض سرّ:
أن الإنسان لا ينتصر لأنه قوي بذاته…
بل لأنه متصلٌ بقوةٍ لا تضعف ولا تتردد ولا تخاف العواقب.
