مقالات وبحوث

عن الهوية والوطن والمواطنة؟

في تاريخ الفكر الإنساني لحظات تتجاوز حدود الزمان والمكان، تُضيء الوعي الإنساني بومضةٍ من الحقّ الخالص.
ومن تلك اللحظات كلمةٌ خرجت من قلبٍ عادلٍ ونفسٍ طاهرة:
قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكانت دستورًا في الأخلاق والسياسة والاجتماع:
«أبو بكر سيّدُنا وأعتق سيدَنا».

كلمةٌ صغيرة في ظاهرها، عظيمة في جوهرها؛ تحمل معاني الإنصاف، وتعلن موتَ العنصرية، وتؤسس لمبدأٍ خالدٍ: أن السيادة تُكتسب بالفضل، لا تُمنح بالوراثة، وأن الكرامة لا يحددها اللون أو النسب.

مقولة تقلب الموازين المعتادة:
أبو بكر سيدٌ من سادات قريش، وبلال عبدٌ حبشيّ، ثم يرتفع الاثنان إلى مقامٍ واحدٍ هو مقام السيادة.
السيادة في النقاء، في حسن الاختيار، في الإيمان، في الإخلاص.
لأنّ العدالة هي الغاية من وجود القوة، فإذا انفصلت العدالة عن القوة، تحولت القوة إلى طغيان.
هكذا نزع عمر بن الخطاب عن القوة عنصريتها، وألبسها ثوبَ العدالة والإنصاف.
ليعلمنا أنّ المواطنة في جوهرها ليست شعارًا على ورق، بل انتماءٍ تُترجمه المسؤولية، فالمواطن الصادق هو من يصون كرامة وطنه كما يصون كرامة نفسه، لا من يرفع الشعارات لمكتسبات شخصية او لإحداث تصنيف لا أخلاقي.
المواطنة هي أن تقف في صفّ الحقّ حين يصمت الجميع، وأن تعمل بصمت، لأن الوطن لا يحتاج إلى ضجيج، بقدر حاجته إلى ضمائر حية.
وفي عالمٍ يضجّ بالألقاب، نحتاج أن نعود إلى معنى “السيد” كما فهمه عمر:
ليس من يملك أكثر، بل من يعطي أكثر.
ليس من يُطاع خوفًا، بل من يُتَّبع حبًّا.
يقول الفلاسفة:
“العظمة الحقيقية لا تكمن في أن لا تسقط أبدًا، بل في أن تنهض كلّما سقطت.”
وهكذا الأمم، تنهض بالعامل والمعلّم والطبيب والمفكر، لا بمن يهدم غيره ليجعله جسراً يعبر فوقه.
السيادة الحقيقية تقوم على القيمة الإنسانية التي تُلهم الآخرين دون أن تأمرهم.

حين قال عمر: «أعتق سيدنا»، كان يرفع بلالًا ويُنزِل نفسه منزلة التلميذ أمام أستاذه في الإيمان.
وهذا هو جوهر القيادة: أن يتواضع الكبير لمن دونه في المنصب، فيرتفع الاثنان معًا.
لأن “التواضع أساس المجد، والغرور مبدأ السقوط.”
إنّ الوطن لا يحيا إلا بتواضع أهله لبعضهم، لأن الأنانية هي أول مسمار في نعش الجماعة.
فحين يتواضع العالم أمام الجاهل، والسياسي أمام المواطن، والكبير أمام الصغير، تزدهر الروح الوطنية وتبقى الهوية في مأمنٍ من التمزق.

فالهويّة ليست لونًا واحدًا، بل نسيجٌ من اختلافٍ جميلٍ يشبه لوحة فنية، لا جمال فيها إلا بتعدد ألوانها.
فالحفاظ على الهويّة لا يعني الانغلاق، بل أن نكون منفتحين دون أن نذوب، وأن نحافظ على أصلنا دون أن نحارب فروعنا.
.
“أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا” ليست حادثة عابرة في كتب التراث، بل رؤية أخلاقية خالدة تُعلّمنا أن السيادة لا لون لها، وأن قيمة الإنسان فيما يعطي لا فيما يرث.
وأنّ الوطن لا يزدهر بالأكثرية، بل بالأفضلية،
وبالانتماء إلى القيم التي تُبقيه حيّاً..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق