مقالات وبحوث

وزير الثقافة السوري في عيادته الطبّية!

يذكر وزير الثقافة السوري “محمد ياسين الصالح” أن والده كان يحلم أن يراه طبيبًا جراحاً أو طبيب قلب أو استشاري جراحة مخ وأعصاب.. فدفع به في هذا الاتجاه وبذل المال والوقت ليرى السماعة الطبية تطوّق رقبة الابن النجيب.
حلم كلاسيكي لآباء يعتقدون أن المجد يبدأ من عيادات الطب..

لكن الابن ، أفزعته فكرة أن يعيش في غرف التشريح والحقن والمشارط ويتنفس أجواء غازات التخدير، فتمرّد على الفكرة وقرر الهرب بالسفر إلى لندن!
رمى السماعة خلفه، واستبدلها بسماعة جهاز الآيفون الذي أطل من خلاله على الناس بحسابات التواصل الاجتماعي وهي تحمل إليهم مشاريعه الثقافية وبرامجه اللغوية.. وعلى جسر اللغة صعد بإخلاص وتفوق حتى كان علامة فارقة في المشهد الثقافي.. ويقف على رأس قمة هرمه في دولة بدأت تبني ذاتها بعد خراب طويل وتداوي جراحها بعد حروب دامية..
ولم يكن يعلم معالي الوزير أنه لم يغيّر المهنة، وكل مافعله أنه غيّر نوع المرضى الذين يتعامل معهم!

فبدلًا من حمّى التيفوئيد وأوجاع المفاصل والتهاب اللوزتين، وجد نفسه أمام حمّى الشعارات وأورام الأيديولوجيا وأوجاع الفكر والتهابات الأنا.. وزكام الطائفية

الفرق أن في مهنة الطب، يشكر المريض طبيبه بعد الشفاء.
أما في الثقافة، فالمريض يهاجم معالجه لأنه ذكّره بمرضه.
في الطب، يمكن للطبيب أن يطلب راحةً لنفسه أو للمريض.
أما الوزير المثقف.. فلا راحة له من المرضى.. وهو يرى في كلُّ مقالٍ مشروع جراحة، وفي كلُّ فكرةٍ عملية تشريح.

وإن كان بالإمكان معالجة الصداع بالبنادول، فكيف تكون معالجة مرض المعتقد.
كان يمكن الوزير لو أصبح طبيباً أن يصف مضادًا حيويًا، فإذا به يبحث عن مضاد ثقافي في مستشفى بلا جدران، يمتلئ بمرضى من نوع آخر: من يعانون تضخم الذات، وضيق الأفق، وعمى الأيديولوجيا، وحُمّى الانقسام، والتهابات الهوية.. التي كانت هي الصداع المزمن (الذي عانى منه الوزير نفسه مثل ملايين السوريين)
في عالم العمل (الثقافة) تجد نفسك أمام مرضى يريدون إصلاح العالم بأفكار مريضة… لايعلمون أن القراءة مهما كثرت فإنها لا تشفي الغرور، فالله سبحانه وصف القران بأنه (للذين آمنوا هدى وشفاء..) أما أصحاب القلوب المريضة فهو (عليهم عمى) يزيد ضلال اعمياء البصيرة، لذلك ترى من يحاضر عن الحرية وهو لا يحتمل اختلافًا واحدا في الرأي.
فكيف يتعامل وزير هرب من الطب مع مريض فكري مثل أدونيس — الذي قرأ مئات الكتب — خرج منها كما دخلها، جاهلًا بالتاريخ، متورمًا بالعبارات.. يريد أن يثبت من خلال آيات القران الكريم أن الشيطان كان على حق!!

وما ماهر شرف الدين، منه ببعيد ومثله ممن يعيشون في برج من المفردات، يرون الناس تحتهم ولا يسمعون أنينهم.
لقد هرب الوزير من عيادة الطب،ليكتشف أن الثقافة مستشفى أكبر، وأن المرضى — في النهاية — لا يُعالجون بالمشرط… بل بالمجاز.
لقد نجا الوزير من كلية الطب، لكنه لم ينجُ من عيادة الثقافة.. ليتجول بين مرضى الرأي، وجرحى الكلمة، وضحايا النفاق، ومصابي الطائفية المزمنة.
ففي الشرق يا سادة، لا فرق كبير بين الطبيب والمثقف.. وانت تتساءل:
يمكنك ان تكتب وصفةً.. لمريض الحمى
لكن ماهي الوصفة المناسبة لمريض الوَهْم… ؟

وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق