
جاء التكريم الذي أعلنته جائزة الملك فيصل العالمية في دورتها الأخيرة، احتفاءً بسِيَرٍ علميةٍ طويلة العطاء، وبأعمارٍ أُنفقت في خدمة المعرفة، بعيدًا عن الأضواء، وقريبًا من جوهر العلم.
وفي مقدمة هؤلاء المكرَّمين يبرز اسم شيخناوأستاذ أساتذتنا الدكتور محمد محمد أبوموسى بوصفه مثالًا نادرًا للعالِم الذي جمع بين رصانة البحث، وعمق التراث، وأخلاق العلم.
تكريم الدكتور محمد أبو موسى لا يُقرأ بوصفه تكريمًا لشخصٍ بعينه فحسب، بل هو تكريمٌ لمنهجٍ علميّ كامل؛ منهجٍ ظل وفيًّا للغة العربية بوصفها وعاء فكر،، وللبلاغة العربية باعتبارها علمًا حيًّا يكشف أسرار النص، لا علمًا مدرسيًا جامدًا.. ومواساة لنا جميعاً نحن طلبة اللغة العربية التي نراها حزينة في المحافل العالمية وفي المدارس وفي لغة الشارع..
لقد مثّل أبو موسى، عبر عقود من التدريس، صورة العالِم الجليل الجميل، بكل وفائه للمعرفة.
وما يمنح هذا التكريم قيمته الخاصة أنه جاء من جائزة تعرف جيدًا مهمتها، وتدرك أن تكريم العلماء الحقيقيين هو دفاعٌ عن معنى العلم نفسه، في زمنٍ اختلطت فيه المعايير، وتقدّم فيه الصوت العالي على الفكرة العميقة.
فجائزة الملك فيصل، حين تختار أسماء من طراز محمد أبو موسى، فإنها تحمي المستقبل؛ لأن الأمم لا تُبنى إلا حين تضع علمائها في موضع القدوة، لا في هامش المشهد.
ومن هنا، يصبح الحديث عن جائزة الملك فيصل حديثًا عن رؤية حضارية، لا عن حفلٍ سنوي.
رؤية تؤمن بأن العلم رسالة، وبأن العالم قيمة، وبأن التكريم الحقيقي هو ذاك الذي يصل إلى من ربّوا أجيالًا، وشيّدوا العقول، وأسهموا في ترسيخ الوعي، دون أن ينتظروا مقابلًا سوى أن تؤدى الأمانة.
إن تكريم الدكتور محمد أبو موسى، ومعه كوكبة من العلماء في هذه الدورة، يذكّرنا بأن القامات الحقيقية لا تصنعها الجوائز، بل الجوائز الرفيعة هي التي تُستعاد قيمتها حين تذهب إلى القامات الحقيقية.
إنها رسالة احترام للعقل العربي والإسلامي حين يكون في أنقى صوره.
فهذا الإعلان السنوي هو بيان موقف من العلم، ومن المعرفة، ومن هويةٍ قررت أن تحترم عقلها.
لقد ترسّخت جائزة الملك فيصل، منذ تأسيسها، بوصفها واحدة من أهم الجوائز الفكرية والعلمية في العالم، ليس لأنها تنافس الجوائز العالمية في الشكل، بل لأنها تتفوق في الجوهر. فهي جائزة لاتخضع للمناخات السياسية المتقلّبة، بل تذهب – بثبات نادر – إلى من يستحقها حقًا.
ما يلفت في هذه الجائزة أنها لا تصنع العالِم، بل تعترف به.
تكرّم من أفنوا أعمارهم في البحث والتعليم، ومن ربّوا أجيالًا بصبرٍ، ومن راكموا المعرفة بعيدًا عن الأضواء.
وجائزة الملك فيصل، في معناها العميق، تعبير صريح عن توجه واعٍ:
توجه يؤمن بأن العلم ليس منفصلًا عن القيم، وأن الهوية لا تتناقض مع العالمية، بل تضيف إليها.
هي جائزة تمثل لغتنا حين تحتفي بالدراسات اللغوية والأدبية الرصينة،
وتمثل ديننا حين تكرّم الاجتهاد العلمي المتوازن،
وتمثل فكرنا حين تؤكد أن النهضة لا تُستورد، بل تنبع منا.. من لغتنا وقيمنا ورسالتنا.
وفي زمنٍ باتت فيه كثير من الجوائز العالمية معروفة التوجهات، مكشوفة الأهداف، تُمنح أحيانًا وفق حسابات لا علاقة لها بالمنجز الحقيقي، تأتي جائزة الملك فيصل لتمنحنا ثقة داخلية بأننا لسنا مضطرين للبحث عن الاعتراف خارج ذواتنا.
لدينا علماؤنا، ولدينا مفكرونا، ولدينا مؤسسات قادرة على التقييم العادل والتكريم النزيه.
إن الاحتفاء بهذه الجائزة هو احتفاء بالمعنى النبيل للتكريم؛
تكريمٍ يحفظ للعلم هيبته،
وللعالم كرامته،
وللمعرفة مكانتها.
ولهذا، فإن جائزة الملك فيصل العالمية مصدر فخر لنا جميعًا.
فهي تواسينا، كأنما تقول بهدوء الواثق:
ما زال في هذا العالم متّسع للعدل العلمي،
وما زال للتكريم معنى..
