مقالات وبحوث
فإنّك بأعيننا..

حين تضيق الدنيا بالإنسان، وتتزاحم عليه الهموم من كل جانب، تأتي هذه الآية الكريمة لتكون له بردًا وسلامًا، وسندًا يربت على قلبه:
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾.
ليست كلماتٍ عابرة، بل وعدًا سماويًّا يسكب في القلب يقينًا لا يتزعزع: أنت لست وحدك، وأنت في عين الله، في رعايته ولطفه، في نظره الذي لا يغيب، وفي عنايته التي لا تنام.
الصبر هنا ليس سكونًا ولا استسلامًا، بل هو ثبات العارف بربه؛ أن تنتظر بحكمة، وتعمل بثقة، وتوقن أن حكم الله لا يخطئ، وأن ما قدّره لك هو الخير وإن خفي وجهه عنك.
الصبر هو فنّ التوازن بين ألم الواقع وجمال الإيمان، بين ما يحدث وما وعد الله به من العوض الجميل.
“فإنك بأعيننا”.. الأمان في الكلمة، عبارة وحدها تكفي لتطمئن القلوب. أن تكون «بعين الله» يعني أنك لا تسقط من رحمته، ولا تغيب عن علمه، ولا يسبق إليه شيء من حالك.
حين يبكي العبد في وحدته، أو ينهار حلم تعب في بنائه، فإن هذه الجملة ترفعه من أرض الضيق إلى سعة السماء.
ما دام الله يراك، فلن يضيعك.
وما دمت في عينه، فلن تغيب عن رحمته.
قال ابن عطية رحمه الله: «ينبغي أن يقررها كل مؤمن في نفسه فإنها تفسح له مضايق الدنيا».
وهذا سرّها البديع: أنها تجعل القلب متسعًا وإن ضاقت عليه الأسباب، وتجعل المؤمن يعيش رحابة الأمل في أضيق زوايا البلاء.
فما الدنيا إلا ممرّ، وما الأقدار إلا امتحان، ومن عرف أنه بعين الله استراح من الخوف، واطمأن في العاصفة، ورأى في كل شدة بابًا إلى رحمة جديدة.
ما أعمق هذه الآية وما أدفأها!
إنها نداء من الله إلى القلوب المرهقة:
اثبتوا على الطريق، فأنتم في حفظ الله.
اصبروا على البلاء، فأنتم في عين الله.
واصلوا السير بثقة، فالعين التي ترعاكم لا تنام.
“يا رب، اجعلني بعينك التي لا تنام، وبلطفك الذي لا يُفارق من أحبّك.”
”
