مقالات وبحوث

لولوة الخاطر.. قيادة التعليم وعلم القيادة

بقلم: علي المسعودي

هناك انتقالٍ في المناصب، وهناك انتقال في المعنى.. وقد يكون التحوّل استكمالًا لمسارٍ واحد، تتبدّل فيه الأدوات ويبقى الجوهر ثابتًا.
هكذا يمكن قراءة تجربة سعادة الوزيرة لولوة بنت راشد الخاطر، الأديبة التي لم تدخل وزارة التربية والتعليم العالي من باب “التكليف فقط، ولا التشريف بالطبع”، بل من باب الانتماء العميق لفكرة المعتقد واللغة، والمعرفة، وبناء الإنسان.

عرفها الناس أولًا في وزارة الخارجية، صوتًا هادئًا، وواجهةً متّزنة لسياسات الدولة، حين كانت متحدثة رسمية، ثم مساعدة لوزير الخارجية، قبل أن تُكلَّف بمنصب وزيرة دولة للتعاون الدولي. في تلك المرحلة، لم تكن الدبلوماسية عندها مجرد خطاب منمّق، بل ممارسة أخلاقية أولاً؛ حضورٌ في الملفات الإنسانية، وانحيازٌ واضح لقضايا العدل، وكان قطاع غزة المنكوب في مقدمة أولوياتها هماً وعملا وشعراً.
حضرت ميدانيًا، زارت، وتابعت، وتحدثت بلغة إنسانية تُشبه قطر في صورتها التي أرادها لها سمو أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني: دولةً إنسانية، فاعلة؛ مؤثرة، لا متاجِرة بالقضايا.

اختيار سمو الأمير لأعضاء حكومته لم يكن يومًا محض توزيع مناصب، بل قراءة عميقة للشخصيات ومساراتها ولاحتياجات المرحلة.. لذلك جاء انتقال لولوة الخاطر من الخارجية إلى التربية والتعليم دلالةً لافتة تقول: إنّ الدولة التي تُحسن خطابها للعالم، تعرف أن عليها أن تُحسن خطابها لأبنائها أولًا، وأن التعليم يمثل صناعة هوية وطنية واستثمار طويل الأجل في أبنائها لتكون الخاطر المعلمة الأولى لأبنائنا وقائدة للمعلمين والمعلمات في المسيرة المظفرة لدولة قطر.

دخلت لولوة الخاطر ميدان التربية، وهي تحمل رصيدًا من الخبرة السياسية والإنسانية، كما تحمل شغفًا قديمًا باللغة العربية، وبالثقافة، وبالسؤال التربوي، وبالشعر.. بوصفها ابنة هذا الحقل، قارئة له، منشغلة بأسئلته. لذلك كان طبيعيًا أن تجد تفاعلًا صادقًا من المعلّمات والمعلمين، ومن الطلبة، ومن أولياء الأمور؛ لأنهم رأوا فيها مسؤولة تنزل إلى الميدان، تعيش المشهد بشكله الحي والحقيقي.

وفي زمنٍ تتعرّض فيه اللغة العربية لإهمال وتهميش قاسيين بين مناهج “منزوعة الدسم”، وتأثير “إعلام الكتروني” ممنهج وجارف، وخطاب سريع يستهلك ولا يبني—يكتسب حضور وزيرة تؤمن باللغة معنى خاصًا. لولوة الخاطر لا تتعامل مع العربية بوصفها “مادة دراسية”، بل بوصفها وعاء الوعي، ومفتاح الانتماء، وشرطًا أساسيًا لصناعة طالبٍ قادر على التفكير، وطرح الأسئلة ومواجهة الحياة. ولهذا جاء اهتمامها بالمناهج، وبطريقة تقديم المعرفة، وبربط المدرسة بالواقع.. وبالقضايا المصيرية للأمة.

وليس بعيدًا عن هذا السياق، حضورها في منصات التواصل الاجتماعي. حضورٌ محسوب، قريب من الناس لا يفرّط في هيبة الموقع. ولا يأتي لتسجيل موقف عابر، بل لتأكيد فكرة، أو لفتح نقاش، أو لطمأنة مجتمع تربوي واسع بأن صوته مسموع. وهذا التوازن—بين القرب والوقار—نادر في زمن الإفراط.. والتفريط!
وعلاقتها بالثقافة، وبالشعر تحديدًا، ليست ترفًا فكريا، بل مفتاح لفهم لغتها العامة. وربما لهذا السبب جاء خطابها العام، في السياسة كما في التربية، مشغولًا بالمعنى وبالعمق وبالإنسان.

لولوة الخاطر نموذج عربي خليجي شاب وجاد، يثبت أن المرأة العربية قادرة على أن تكون في صلب القرار، في خدمة الإنسان، والدفاع عن الكرامة، والإيمان بأن الاستثمار الحقيقي هو في العقول الوطنية.
ولهذا، فإن الرهان على تجربتها في وزارة التربية والتعليم ليس رهان مرحلة، بل رهان جيلٍ كامل يبحث عمّن يُعيد للتعليم معناه، وللغة مكانتها، وللمدرسة دورها بوصفها مصنع الوعي الأول.
وفقها الله وسدد خطاها إلى نفع البلاد والعباد.

 

..

لمراسلة الكاتب

almasoudi20@yahoo.com

لمراسلة منصة أبواب:

upwaab5@gmail.com

..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق